شهد نهر الفرات في ريف الرقة خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب مياهه، مدفوعاً بزيادة التدفقات المائية وذوبان الثلوج في تركيا، في تطور وصفته الجهات الرسمية بالإيجابي، مع التحذير من بعض المخاطر المرتبطة بالارتفاع المؤقت.

وكانت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث – دائرة الإنذار المبكر والتأهب، بالتنسيق مع مديرية الموارد المائية في محافظة الرقة، قد حذّرت في بيان صدر في 14 نيسان السكان القاطنين على ضفاف النهر من زيادة تدفق المياه عقب فتح بوابات سد كديران غرب الرقة.

وقالت الوزارة إن المناطق الواقعة أسفل السد ستشهد “ارتفاعاً ملحوظاً” في منسوب المياه خلال الأيام التالية، مؤكدة في الوقت ذاته أن الكميات الإضافية “لن تشكل أي نوع من المخاطر على القرى والبلدات” على امتداد مجرى النهر.

ودعت السلطات السكان إلى اتخاذ إجراءات احترازية، أبرزها سحب المعدات الزراعية من ضفاف النهر، وتجنب استخدام الجسور المؤقتة أو الترابية، محذّرة من مخاطر التنقل عبرها حتى عودة المياه إلى مستوياتها الطبيعية.

اقتراب من التخزين الأعظمي

في السياق، قال المدير العام للمؤسسة العامة لسد الفرات، هيثم بكور بتصريح صحفي قبل أيام إن مستوى التخزين في بحيرات السدود “اقترب من الحد الأعظمي”، مشيراً إلى أن نسبة التخزين بلغت نحو 93 بالمئة.

وأوضح أن الوارد المائي تجاوز 500 متر مكعب في الثانية خلال الفترة الماضية، ما أدى إلى زيادة المخزون من نحو 10 مليارات م3 إلى 15 مليار م3 كمية، بالتزامن مع تحسن الهطولات المطرية وذوبان الثلوج في الأراضي التركية.

وأضاف أن هذه الزيادة انعكست على إنتاج الكهرباء، الذي ارتفع مؤقتاً خلال هذه الفترة، متوقعاً استمرارها حتى نهاية نيسان، قبل العودة إلى معدلات التوليد الطبيعية التي تتراوح بين 150 و200 ميغاواط ساعي.

وأشار بكور إلى أن إدارة السدود تعمل على الحفاظ على هذا المستوى من التخزين بوصفه “احتياطياً استراتيجياً” يُستخدم على مدار العام، لافتاً إلى أن المنسوب عند استلام السدود كان أقل بكثير، إذ بلغ حينها 297 متراً فوق سطح البحر.

بين الفائدة والمخاطر

ورغم الطابع الإيجابي لارتفاع المنسوب، خاصة بالنسبة للزراعة ومواسم الري، يثير هذا التطور مخاوف كامنة لدى سكان المنطقة، الذين يحتفظون بذاكرة جماعية مثقلة بتجارب الفيضانات.

ويقول تاريخ نهر الفرات إنه شهد ثلاث فيضانات كبرى خلال القرنين الماضيين، كان أبرزها في أعوام 1884 و1929 و1967، حيث أدت زيادة التدفقات الناتجة عن ذوبان الثلوج في الأناضول إلى خروج المياه عن مجراها الطبيعي وغمر مساحات واسعة من القرى والأراضي الزراعية.

ورغم الأضرار الكبيرة التي خلّفتها تلك الفيضانات، فإنها أسهمت أيضاً في ترسيب الطمي وتجديد خصوبة التربة، فضلاً عن دفع السلطات إلى إعادة التفكير في التخطيط العمراني بعيداً عن ضفاف النهر.

ويُنظر إلى بناء سد الفرات في الطبقة كأحد أبرز نتائج تلك التجارب، إذ جاء المشروع لتنظيم تدفق المياه والحد من مخاطر الفيضانات، إلى جانب تأمين الكهرباء والري.

اليوم، ومع تحسن منسوب المياه، يجد سكان الرقة أنفسهم بين الاستفادة من وفرة الموارد المائية، وفي ظل استمرار ارتفاع المنسوب بشكل مؤقت، تبقى التوصيات الرسمية والذاكرة التاريخية عاملين حاسمين في تعامل السكان مع نهر لم يفقد بعد قدرته على المفاجأة.