الإعلام السوري في زمن استبداد آل الأسد!

علي دالاتي

بعد استلام البعث للسلطة في سوريا بداية الستينيات خرجت الصحافة السورية من مرحلة الانفتاح الممتد منذ انفصال البلاد العربية عن الدولة العثمانية مرورا بفترة الانتداب الفرنسي حتى 1946م، وحتى خلال فترة الانقلابات العسكرية كانت تتمتع بهوامش أوسع من فترة الاستبداد تحت حكم آل الأسد.

أكد مؤسس ورئيس تحرير موقع “سيريانيوز” نضال معلوف أن الاعلام في سوريا عموما مضبوط ضمن هوامش متحركة بحسب الظرف لا يمكن تخطيها تتعلق بشخص الرئيس والأمن والجيش، وباقي الهوامش غير واضحة تتعلق بالحالة العامة الملفات المحلية ومن وراءها والخارجية وبمن ترتبط، يمكن لأي ملف ان يصبح فجأة خط احمر ويعرض صاحبه للخطر.

وقال الإعلامي البارز إن الصحافة الخاصة تعمل ضمن الهوامش بشكل عام لا يوجد رقابة قبل النشر ولا يوجد تدخل مباشر في عملها ، ولكن لا يوجد أي ضمان بأن الخوض في ملف ما يعرض صاحب الوسيلة أو الصحفي إلى المسائلة لأنه تجاوز خطا أحمر لم يكن يعرفه.

ففي موقع “سيريانيوز” كانت هوامش واسعة على صعيد التغطية، ولكن هذا لا ينفي وجود تدخلات مستمرة وضغوط تمارس بإشكال متعددة، حتى وصل الأمر لحجب الموقع ثلاث مرات.

ويرى معلوف أن الاعلام في سوريا كان يشبه الإعلام في كل المنطقة العربية، الذي تحول بعد ثورات الربيع العربي إلى وسائل بروباغندا وعلاقات عامة لتلميع أوجه الحكام الذين يمولونها، فالصحافة جزء من الحياة العامة وتتأثر بجودة هذه الحياة والحريات العامة في البلد وهي مفقودة.

وفي السياق ذاته، تحدثت هند بوظو الصحفية السابقة بجريدة “الثورة” الرسمية عن استيلاء الأمن ومخبريه على مؤسسات الإعلام فبقيت تحت بصره وسمعه، ويتحكم بتعيين رؤساء التحرير ومديري التحرير ورؤساء الأقسام من خلال تقارير أمنية تؤكد الولاء لرأس النظام، مقابل التضييق الصحفي الآخر من جهة استحقاقات مالية أو مهنية، وقد يصل الأمر للاستدعاء لفرع الأمن السياسي وربما الاعتقال.

ولا يوجد في سوريا إعلام خاص -وفق بوظو- فكلها تتبع بالكامل لوزارة الأعلام الرسمية الممسوكة من مكتب إعلام القصر الجمهوري.

أحيانا يبلغ الصحفي بضرورة إجراء تحقيق صحفي او تقرير صحفي حول مؤسسة ما يرأسها شخص صار من المغضوب عليهم لـ “حرقه” ثم يوظف ذلك بخدمة مكافحة الفساد، وفق الصحفية.

“بشار يقضم كل مساحة للتعبير”

وصفت منظمة “مراسلون بلا حدود” الوضع بسوريا بقولها إن “البلاد تحولت إلى سجن كبير …حيث يتعمّد النظام قضم أي مساحة حرية يقع نظره عليها.

ففي عام 2010 كانت سوريا تحتل المرتبة 165 (من أصل 175) في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي أصدرته منظمة “مراسلون بلا حدود” ووردت على لائحة أعداء الإنترنت إلى جانب اعتبار بشار الأسد المتربّع على عرش السلطة منذ تموز/يوليو 2000 من صيّادي حرية الصحافة الأربعين في العالم، لأنه عطل الدستور عبر الإبقاء على حالة الطوارئ المعلنة منذ العام 1963 حين استلم حزب البعث حكم البلاد.

وفي هذا الاطار يقول علي سفر وهو مدير سابق للبرامج بتلفزيون سوريا دراما: “بقيت وسائل الإعلام محتكرة من قبل الدولة لعقود”، ولم يسمح بتأسيس أي وسيلة إعلامية إلا جريدة رياضية هنا أو إعلانية هناك!ومع محاولة بشار الأسد في بداية حكمه إحداث بعض التغييرات الشكلية في منظومة السيطرة، جرى تسليم بعض التراخيص لمقربين في حاشية آل الأسد، أو بعض “الأصدقاء”، وإغلاق جريدة الدومري ومنعها كان أوضح درس في هذا السياق، وفي الإعلام المرئي إغلاق قناة شام لتحل محلها قناة الدنيا.

ولم تخرج الصحف الخاصة عن توجه النظام وأي محاولة للتمايز عن خطه كانت تقمع من قبل وزير الإعلام شخصياً، حيث كان العدد يتم توقيفه ويتم تهديد رئاسة التحرير أو أصحاب المطبوعة بالإيقاف النهائي، ويمكن العودة إلى تجربة مجلات كالاقتصادي والمال وشبابلك.

أما الصحافة الحزبية، ليس فقط تنسخ التوجه الرسمي، بل كانت تنسخه ببلادة، مثل جريدة النور التابعة للحزب الشيوعي السوري الموحد، و جريدة نضال الشعب التابعة للحزب الشيوعي جناح خالد بكداش، حسب تعبير سفر.

ويمكن أن تكون الحرية أوسع من غيرها في سياق الصحافة الرياضية، أو الثقافية، ولكن منبع الأخطاء والتعثر والتأخر إنما يعود إلى التسلط والتحكم بكل شيء في المجتمع وليس في الصحافة والإعلام فقط، سيقودنا حكما إلى المواجهة مع هذه العقلية، ومع الأجهزة الأمنية في النهاية.

كانت مقيدة ضمن شروط مسبقة هي عدم مقاربة جوهر المسألة أي سيطرة ديكتاتورية البعث وحكم آل الأسد!

وحين كانت تنشر إحدى هذه الوسائل المطبوعات خارج البلاد شيئاً لا يوافق عليه الرقيب، كانت رقابة مؤسسة المطبوعات تشق الصفحات “الخطرة” بفظاظة، لذا تصل المجلات مهلهلة بعد أن مد الرقيب يده ودمر محتوياتها، على حد قول سفر.

“قمع تجارب التمرد”

يعتقد الصحفي محمد العويد الذي عمل لصالح وكالة “سانا” الرسمية وجريدة “الوطن” بدرعا أن الجميع –صحافة خاصة وحزبية – لعب بالهوامش المتاحة لأقصى حدها، فجميع القضايا تم تناولها باستثناء السياسة والأمن، بقيت من المحرمات، حتى الديني كان يمكن أن نلحظ بعض النقاش بسياق النص والتفسيرات والاجتهادات.

ويمكن أن يلمس الهوامش البعيدة عن الرقابة –وفق العويد- في الاقتصاد والتحقيقات حتى في “البعث”، فيما يمكن أن تلمس هوامش أوسع بالوطن، حين يتم تأخير خبر رئيس الدولة الى الصفحات الداخلية مقابل خبر مهم من حلب أو تحقيق.

وقال الصحفي إن الجميع تقريبا حاول أن تكتب خبرا ينتمي للناس كأولوية هذا يتعارض مع المدرسة القديمة والنهج السائد، أن تقدم تقرير بنسب التهرب الضريبي مثلا أو الحالة الاقتصادية لحلب أو درعا، هذه رسائل للصحفي ليقرع بها عند المسؤول الأول وإن منعه الخوف من تسميته.

ولفت أن “الدومري” لرسام الكاريكاتير علي فرزات كانت أغلى صحيفة في سورية /نصف دولار/ ورغم ذلك تنتهي حال طرحها بالأسواق، وبعد اغلاق الدومري الجميع فهم الرسالة، أن الهوامش ضيقة اكثر مما حلم الجميع، ما راكم الضيق ورغبة الانعتاق وصولا لتفجر الثورة.

وباستثناء جريدة الدومري والتي سحب النظام ترخيصها عام 2003 رغم إصدار العدد الأخير منها تحت عنوان “غدد الإيمان بالإصلاح” فإن كل الصحف (الخاصة والحزبية) الأخرى –برأي الإعلامي محمد منصور- بقيت مجرد نشرات حزبية بائسة، تجتر مفاهيم نضال يساري منهك ومتناقض ومحدود، وتخاطب جمهورها الحزبي بلغة أكثر خشبية من لغة إعلام النظام.

يستذكر الإعلامي محمد منصور عمله في عام 2003 بمجلة مرخصة بلبنان يرأس تحريرها إياد عيسى، حين أصدروا عددا تحت عنوان “سوريا إعلام العصر الحجري في القرن الحادي والعشرين”، وهي العبارة تعبر أصدق تعبير عن واقع الإعلام السوري المتخلف.

  وكانت 90% من التراخيص التي أعطاها النظام لصحف إعلانية واجتماعية ونشرات أزياء محدودة الاهتمامات، والصحافة الخاصة التي تمثلها جريدة (الوطن) المملوكة لابن خال بشار الأسد رامي مخلوف في عز سطوته وتمدد نفوذه ومجلة (أبيض وأسود) المملوكة لابن وزير الدفاع حسن تركماني.. تمثل الوجه الحقيقي لهذه الصحافة الخاصة، فهي أشد ملكية من الملك تستعير كتابها ورؤساء تحريرها من حثالة منافقي الصحافة الرسمية.. وتغلق بابها أمام الأقلام المتمردة لأن خيارها أن تكون الوجه الآخر لإعلام النظام لا تشذ عنه.

واختزل محمد منصور بكتاب (سورية ما قبل الثورة) الذي صدر عام 2018 ما يعانيه الصحفي السوري الحقيقي خلال العقد الأخير الذي سبق اندلاع الثورة أي من 2001- 2011، تضمن  مقالات تسببت باستدعاءه المتكررة للأمن، رغم أنها بصحف لا تصدر في سورية ولا توزع فيها وموقعها الإلكتروني محجوبا في سورية.. وتعنى بالشأن الفني والثقافي لا السياسي المباشر.

وعدا  تجارب ومحاولات مثل جريدة الدومري وتلفزيون أورينت والكثير من الكتاب والصحفيين الذين كان يشاغبون ويغردون خارج السرب. وتمنع مقالاتهم ويمنعون من العمل، كان الإعلام السوري باختصار صورة عن نظام لا يريد أن يرى الحقيقة ولا يسمح لأحد برؤيته.

خلاصة القول، إن منظومة الإعلام السوري قبل الثورة  نشأت خلال فترة استبداد أثر عليها من الجانب المهني فغاب صوت الآخر مقابل الترويج لوجهة نظر الحكومة الرسمية ومن الجانب الهيكلي وهوية المالك، فالإعلام خاضع كليا لرقابة وزارة ضمن هذه الحكومة تستطيع الضغط على المالكين لتحديد خطوط حمراء أو الأشخاص المشرفين على هذه الوسائل في حال لم يكونوا من أبناء الحيتان المتحكمين في البلاد أو لمن تربطهم مصالح بهؤلاء.