الحسكة بين استحقاقات الاندماج ومخاطر التصعيد
الحكومة تستعرض قوتها في حشد الشارع داخل مدينة الحسكة والاتحاد الديمقراطي يستعرض قواته الخاصة.
تتعهد الحكومة بتعزيز انتشار الأمن الداخلي وتوحيد المرجعيتين الأمنية والقضائية، فيما يدعو وجهاء عرب وأكراد إلى التهدئة وإمهال مؤسسات الدولة لتحقيق المطالب وقطع الطريق على «الفتنة». وفي أربيل، تؤكد القيادية الكردية إلهام أحمد ضرورة تنفيذ اتفاق الاندماج دون المساس بمضمون «الإدارة» القائمة، إلى جانب التشاركية في إدارة الدولة.
عقد محافظ الحسكة نور الدين أحمد اجتماعاً مع وجهاء وفعاليات مجتمعية عربية وكردية وسريانية، في مسعى لاحتواء التوترات التي أعقبت مظاهرات طالبت ببسط سيطرة الحكومة السورية على كامل المحافظة، والتي يخضع نصفها تقريبا بشكل فعلي لسيطرة حزب “الاتحاد الديمقراطي”، وسط خلافات بشأن تنفيذ اتفاق الاندماج الأمني والإداري، وتباين في المواقف حيال شكل إدارة المحافظة مستقبلاً.
وجاء الاجتماع، الذي عُقد الثلاثاء 13 أكتوبر تشرين الأول في مبنى المحافظة، بعد خروج مظاهرات في مدينة الحسكة للجمعة الثانية على التوالي انطلقت من الأحياء العربية بالجزء الجنوبي وعبرت نهر الخابور وسارت بأحياء مركز المدينة (العسكري والمطار) قبل التجمع بالساحة الرئيسية، للمطالبة بتعزيز حضور مؤسسات الدولة وتوحيد المرجعيات الأمنية والقضائية، وأعقبت الاحتجاجات توترات مع أنصار حزب “الاتحاد الديمقراطي”، فيما أفادت المعلومات المتاحة بأن قوات كردية خاصة ظهرت في حيي “الصالحية والمفتي” حيث تسكن غالبية كردية بالجزء الشرقي من المدينة، وسجلت حالت اعتداء على أشخاص رفعوا علم الجمهورية رغم الاحتفال برفعه رسميا الخميس الماضي بساحة القصر العدلي.
ويضع هذا التطور مسار الاندماج، الذي يُفترض أن ينظم العلاقة بين الحكومة السورية والقوات الكردية، أمام اختبار يتعلق بمدى ترجمة التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية وإدارية ملموسة، وبقدرة الأطراف على منع الخلافات السياسية من التحول إلى توترات بين مكونات المحافظة بسبب فشل طرفي النزاع في حله سلميا.
إنهاء ازدواجية السلطة
قال محافظ الحسكة نور الدين أحمد إن الاجتماع تناول مطالب وصفها بالأساسية لأبناء المحافظة بمختلف مكوناتهم، وفي مقدمتها بسط السيطرة الأمنية، وتعزيز الاستقرار، وحصر السلاح بالجهات الأمنية والعسكرية التابعة للدولة.
وأضاف، في تصريحات نقلتها مديرية إعلام الحسكة، أن المشاركين ناقشوا أيضاً احتياجات خدمية، مؤكداً أن المحافظة ستعمل على الاستجابة لها، وداعياً السكان إلى التعاون مع المؤسسات الرسمية في تنفيذ مهامها الأمنية والإدارية والخدمية.
وقال أحمد إن الاجتماع كان إيجابياً، وإن تعزيز الأمن يمثل أولوية، مشدداً على أهمية طمأنة الأهالي والعمل على تحسين الخدمات خلال المرحلة المقبلة.
وتعكس هذه التصريحات محاولة من السلطات المحلية لاحتواء الاحتقان من خلال الاستجابة للمطالب الأمنية والخدمية التي برزت في الاحتجاجات، مع التعويل على الوجهاء والفعاليات الاجتماعية للحيلولة دون اتساع التوتر.
من جانبه، قال مدير الأمن الداخلي في منطقة الحسكة محمود العليش إن الوجهاء طالبوا بزيادة عدد القوات الأمنية المنتشرة داخل المدينة وأحيائها، مضيفاً أن الجهات المعنية ستعمل على تعزيز انتشارها.
وأكد العليش أن الأمن الداخلي أصدر بياناً يتعلق بمنع حمل السلاح خارج الأطر القانونية وإطلاق النار، مشدداً على أن السلطات ستتعامل بحزم مع المخالفات. ودعا السكان إلى مراجعة أقسام الشرطة في القطاعين الشمالي والجنوبي لتقديم الشكاوى ومعالجة المشكلات.
وأضاف أن العمل جارٍ على تفعيل القصر العدلي مطلع الأسبوع المقبل، وفق تصريحه، بما يتيح للأهالي اللجوء إلى المؤسسات القضائية لمعالجة نزاعاتهم.
ولا تقتصر أهمية هذه التعهدات على زيادة عدد العناصر الأمنية، إذ يرتبط تنفيذ مطلب توحيد المرجعية الأمنية أيضاً بتحديد تبعية القوات المنتشرة في المدينة، وصلاحياتها، والجهة المسؤولة عن قرارات التوقيف والملاحقة والمساءلة.
وفي هذا السياق، قال نائب المحافظ أحمد الهلالي، في تصريح لصحيفة «زمان الوصل»، إن دوريات الأمن الداخلي وأمن الطرق انتشرت في أحياء المدينة بالتوازي مع استكمال إجراءات الدمج الأمني وسحب الدوريات التابعة لقوات سوريا الديمقراطية سابقاً، بهدف إنهاء تعدد الجهات الأمنية.
وأضاف الهلالي أن العمل يشمل توحيد المرجعيتين الأمنية والقضائية، مؤكداً ضرورة خضوع التوقيف والاحتجاز للإجراءات القانونية والجهات المختصة.
وجهاء المدينة يدعون إلى التهدئة
في ختام الاجتماع، أصدر وجهاء من المكونين العربي والكردي بياناً دعوا فيه إلى تعزيز السلم الأهلي والمصالحة ونبذ الكراهية والتطرف، مؤكدين أن أبناء الحسكة يجمعهم الانتماء إلى المدينة، وأن الخلافات لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين مكوناتها.
وقال البيان إن المشاركين عرضوا مطالبهم على مسؤولي المحافظة، وإنهم تلقوا وعوداً بالاستجابة لها في وقت قريب، من دون تحديد جدول زمني تفصيلي لتنفيذها.
ودعا الوجهاء سكان المحافظة والشباب إلى تهدئة الأوضاع خلال مظاهرات الجمعة المقبلة، وإتاحة الفرصة للدولة لتعزيز حضور مؤسساتها وفتح الدوائر الرسمية، إلى جانب تخفيف الشروط والقيود وفتح مراكز للتطوع.
وشدد البيان على ضرورة عدم حمل السلاح خارج إطار الدولة، ومحاسبة كل من يخالف القانون، بصرف النظر عن انتمائه، في موقف يسعى إلى الجمع بين المطالبة بتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية والتحذير من الانزلاق إلى مواجهة أهلية.
ويكتسب هذا الموقف أهمية في مدينة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاجتماعية، إذ يمكن لطبيعة الاستجابة الحكومية للمطالب أن تؤثر في مسار الاحتجاجات المقبلة، وفي قدرة الوجهاء على احتواء التوتر بين أنصار التوجهات المختلفة.
لكن دعوة الوجهاء إلى التهدئة لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات التي أفضت إلى المظاهرات؛ إذ توجد ملفات عالقة كالإفراج عن المعتقلين وتسليم السجون و إعادة النازحين والمهجرين، الذين لم يعد منهم سوى 20٪ من 12500 عائلة من رأس العين أكثر المناطق تأثرا بالمواجهات بين مسلحي الحزب وفصائل الثورة السورية بداية منذ 2012 وحتى سقوط نظام الأسد 2024 مرورا بالتدخل التركي ضد “قسد” في 9 تشرين أول 2019.
الاندماج لم يغيّر نظام المنطقة
في المقابل، تعكس تصريحات السياسية الكردية إلهام أحمد تبايناً في فهم طبيعة الاندماج وحدود التغييرات المطلوبة في مؤسسات المنطقة.
ففي مقابلة تلفزيونية بُثت الأحد 11 أكتوبر تشرين الأول عبر قناة «نوجه» (Nûçe TV)، قالت أحمد إن الولايات المتحدة تتابع مسار الاندماج بصورة حثيثة، وتشرف على مراحله وتطوراته السياسية والميدانية، وفق ما نقلته فضائية «روناهي».
وفي تصريح آخر في اليوم نفسه، قالت إن عملية الاندماج لم تُحدث تغييراً جذرياً في الهيكلية العامة لنظام المنطقة، وإن التعديلات التي أُجريت اقتصرت على تغييرات محددة فرضتها الظروف ومتطلبات المرحلة، وهذا ينسف كل تصريحات أحمد الهلالي من وجهة نظر أهالي الحسكة، الذين يتحدثون عن امساك قادة الحزب بزمام الأمور في المحافظة.
وخلال مشاركتها في ملتقى الشرق الأوسط 2026 «ميري» في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، الاثنين 12 أكتوبر تشرين الأول، قالت أحمد إن الاعتراف بوجود الشعب الكردي في سوريا تجسّد رسمياً عبر مرسوم رئاسي مرتبط بمسار الدمج.
وأضافت أن اتفاق 29 يناير كانون الثاني المبرم مع الحكومة في دمشق ينص على التشاركية في إدارة الدولة، لكنها رأت أن تنفيذ هذا البند لا يزال نسبياً، مطالبة الحكومة بالالتزام بجميع الاتفاقات الموقعة بين الطرفين.
وتشير هذه التصريحات إلى أن الخلاف من وجهة نظر الحزب لا يتعلق فقط بالترتيبات الأمنية، بل يمتد إلى طبيعة التغيير المؤسسي، وحدود التشاركية في إدارة الدولة، وموقع المؤسسات القائمة في المنطقة ضمن الهيكل الإداري والسياسي السوري.
فبينما تركز مطالب المتظاهرين، المؤيدين للحكومة الجديدة على توحيد المرجعيات وبسط سلطة الدولة على كامل مناطق المحافظة المنقسم إلى نصف تحت سيطرة دمشق (الشدادي، رأس العين، الهول، وتل حميس وتل براك واليعربية) ونصف تحت سيطرة بقايا “قسد” (الحسكة والقامشلي والدرباسية وعامودا والقحطانية والجوادية والمالكية..)، بينما تؤكد إلهام أحمد ضرورة تنفيذ الاتفاقات بما يضمن التشاركية، وتقول إن الاندماج لم يفضِ حتى الآن إلى تغيير جذري في بنية “الإدارة الذاتية”.
وهكذا تبرز التصريحات اختلافاً في الأولويات المعلنة بين المطالبة بتوحيد مؤسسات الدولة ودمجها فعليا وبين التأكيد على التشاركية في إدارتها، فالمظاهرات تدعم موقف دمشق ووجهة نظرها وهذا ما يقلق قادة “قسد” والحزب الكردي.
شارع مقابل شارع
طريقة التعامل مع مظاهرات الجمعة المقبلة – إن خرجت- ستعطي مؤشراً على قدرة طرفي اتفاق “الاندماج” على احتواء الخلافات، فنجاح التهدئة يتطلب إلى جانب الدعوات إلى السلم الأهلي، ضمانات عملية تحمي حق الاحتجاج السلمي وتمنع الاعتداء على المتظاهرين أو تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات بين السكان، رغم أن وقف المظاهرات سيؤكد من طرف آخر أن الحكومة كانت مرحبة بهذه المظاهرات الداعمة لموقفها على الأرض على حساب حزب “الاتحاد الديمقراطي”، الذي كان يعرقل عبر أنصاره تطبيق بعض البنود التي يوافق عليها على طاولة المفاوضات، كاعتبار اللغة الكردية لغة وطنية لا رسمية.
بالنتيجة، التوترات في محافظة الحسكة تؤكد تعثر اتفاق الاندماج بين الحكومة والإدارة الذاتية الكردية، في ظل غموض بنوده، وبطء تنفيذه، وتنامي خطاب الغلبة والمحاصصة والتعبئة القومية والمناطقية وارتفاع أصوات عربية تطالب باستيعاب عدد من الشبان العرب بصفوف الأمن والجيش توازي أعداد ألوية “قسد” المندمجة بالجيش والشرطة.
وبالنظر إلى المطلبين المعلنين لأنصار كل طرف، يمكن القول أن المطالبة باستعادة مؤسسات الدولة وسيادة القانون، وضرورة ضمان الحقوق القومية والثقافية للكرد، مطلبان مشروعان، لكن عدم حسمهما في اطار اتفاق كانون الثاني يفرغ “الدمج” والاتفاق برمته من معناه ويعد بيئة مناسبة لمواجهة بين الشارعَين (الموالي للحكومة والموالي لحزب الاتحاد الديمقراطي) ما يعمق الشرخ ويزيد الاحتقان، الذي خففه التوصل لهذا الاتفاق بداية العام الجاري حين توقفت المعارك على مشارف الحسكة، وعلى ما يبدو هناك من يريد العودة لساحة المعركة.
فرغم ان الاتفاق تسوية قائمة على التوافق والتنازلات المتبادلة وهدفها من الصدام، ما زال كل طرف يريد تحقيق انتصار لنفسه وإعلان هزيمة الطرف الآخر، رغم أن المطلوب اليوم هو تنفيذ الاتفاق بوضوح، وترسيخ المواطنة المتساوية، ومنع احتكار السلطة أو الاستفراد بقرار المحافظة، قبل أن تتحول الخلافات السياسية إلى مواجهات يدفع ثمنه الجميع عبر تخريب السلم الأهلي أو انتهاك حقوق السكان، وفي النهاية لن تستطيع الحكومة بسط سيطرتها على كامل المحافظة بالقوة ومثال السويداء ونتائجه ماثلة أمام أعين السوريين.
