منذ نحو شهر ونصف يعيش سوق مدينة تل أبيض شمال الرقة على وقع انقطاع شبه تام للتيار الكهربائي، ما أدى إلى شلل واسع في الحركة التجارية وانعكس مباشرة على حياة السكان، في وقت تضرب فيه المنطقة موجة برد قاسية وعواصف ثلجية حجبت أشعة الشمس التي يعتمد عليها كثيرون كمصدر بديل للطاقة، ومع غياب الكهرباء، وشح المحروقات وارتفاع كلفتها، وجد التجار والأهالي أنفسهم بلا وسائل إنارة أو تدفئة كافية، في أزمة معيشية متفاقمة تزداد حدتها مع استمرار الأحوال الجوية القاسية وانعدام حلول مستدامة للطاقة.

وقال سكان وتجار في مدينتي تل أبيض ورأس العين إن الكهرباء باتت لا تصل إلا لساعات متقطعة كل عدة أيام، فيما تعتمد غالبية المحال والمنازل على المولدات الخاصة رغم ارتفاع تكاليف الوقود والصيانة، في منطقة تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية هشّة بسبب حصار تفرضه القوات الكردية (قسد) على المنطقة منذ خسرتها عام 2019 لصالح الجيشين التركي والوطني السوري.

شلل يصيب السوق

قال حمودي الغازي، صاحب محل خياطة في سوق مدينة تل أبيض، إن انقطاع الكهرباء المستمر منذ نحو شهر إلى شهر ونصف أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة التجارية داخل السوق، مضيفا أن التيار لا يصل إلا مرة كل عشرة أيام ولساعات محدودة، تتراوح بين ساعة وثلاث ساعات، قبل أن ينقطع مجدداً.

وأوضح الغازي أن غياب الكهرباء أجبره على إيقاف آلات الخياطة بالكامل، قائلاً إن المحل لم يعمل في بعض الأيام إطلاقاً، في ظل عدم جدوى الاعتماد على الطاقة الشمسية بسبب الأحوال الجوية الغائمة، وارتفاع كلفة المولدات الخاصة وصعوبة تشغيلها بشكل دائم.

وأشار إلى أن معظم محال السوق تعيش الوضع ذاته، ما أدى إلى توقف واسع في النشاط التجاري.

وانتقد الغازي غياب التغذية الكهربائية عن السوق رغم أهميته الاقتصادية، مؤكداً أن أصحاب المحال لم يتلقوا أي توضيحات حول أسباب الانقطاع أو مواعيد عودة التيار، متسائلاً عن أسباب استمرار حرمان السوق من الكهرباء في وقت يُفترض فيه تمكين السكان من العمل وتأمين مصادر رزقهم.

من جهته، أكد محمد النايف، صاحب مطعم في تل أبيض، أن الانقطاعات المستمرة دخلت شهرها الرابع تقريباً، موضحاً أن المشكلة بدأت بعطل في إحدى المحولات، قبل أن يتكرر العطل في المحولة الاحتياطية.

وأضاف: “المدينة تستهلك بين 8 و10 ميغاواط، لكن جرى تزويدها بمحولة بقدرة 2 ميغاواط فقط، وهي غير قادرة على تلبية الحاجة”.

وأوضح النايف أن أصحاب المحال اضطروا للعمل لأكثر من 45 يوماً دون كهرباء نظامية، مع الاعتماد الكامل على المولدات، ما أدى إلى أعباء مالية كبيرة نتيجة تكاليف المازوت والصيانة اليومية.

وتابع أن الضرر لم يقتصر على القطاع التجاري، بل طال الطلاب الذين يدرسون على ضوء الشموع، والمرضى الذين حُرموا من أجهزة طبية أساسية تعمل بالكهرباء.

وطالب النايف شركة الكهرباء والمجلس المحلي والجهات الإدارية في تل أبيض بإيجاد “حل جذري وليس مؤقتاً”، داعياً إلى إدخال محولات بقدرات كافية أو إطلاق مشروع طاقة مستدام. وقال إن الشركة تعمل بعقود رسمية وتخضع لضرائب والتزامات قانونية، “ما يستوجب محاسبتها وإلزامها بمعالجة المشكلة فوراً”، محذراً من استمرار الإضرار بأرزاق السكان وحياتهم اليومية.

وانتقد عثمان علي، صاحب دكان في السوق غياب التواصل من شركة الكهرباء، مؤكدا: أن الأهالي لم يتلقوا أي توضيحات رسمية حول أسباب الأزمة أو موعد حلّها، ما عمّق شعور السكان بالإهمال وزاد من معاناتهم اليومية.

وأوضح عثمان أن ما يجري لم يعد يُوصف بانقطاع متكرر، بل “بانقطاع شبه دائم”، قائلاً إن الانقطاع المتواصل للكهرباء دخل شهره الثالث دون أي تحسن يُذكر.

وأضاف أن غياب التيار أثّر بشكل مباشر على عمله وعلى حياة عائلته، موضحاً أن أبناءه يضطرون للدراسة في الظلام داخل المنزل، في ظل عدم توفر بدائل حقيقية.

رفع الأسعار باستمرار

وتأتي هذه الشكاوى في سياق تغييرات متتالية على نظام تسعير وتغذية الكهرباء المعتمد من قبل شركة الكهرباء التركية AK Energy في مناطق شمال سوريا، فبحسب معطيات محلية، تحصل الشركة حالياً على 100 ليرة تركية مقابل نحو 20 كيلوواط، في حين كانت تؤمّن عند بدء عملها في مدينة تل أبيض 128 كيلوواط مقابل السعر ذاته.

وفي عام 2022، خفّضت الشركة الكمية إلى 40 كيلوواط مقابل 100 ليرة تركية، وهو قرار قوبل باحتجاجات شعبية في تل أبيض وشمال حلب، وفي حينه، أورد موقع دجلة أن الشركة تراجعت مؤقتاً عن رفع الأسعار بعد اندلاع الاحتجاجات التي أسفرت عن سقوط قتيل وإصابة آخرين، وتلقّي الأهالي وعوداً من مسؤولين محليين بحل الأزمة.

غير أن التخفيضات استمرت لاحقاً، إذ جرى تقليص الكمية من 40 إلى 35 كيلوواط مقابل 100 ليرة، قبل أن تعلن الشركة، العاملة في منطقتي درع الفرات ونبع السلام، رفع سعر الكيلوواط المنزلي إلى 3.85 ليرة تركية. وبموجب التعديل الأخير، خُفّضت الحصة إلى 26 كيلوواط مقابل 100 ليرة في مدن شمال حلب ورأس العين وتل أبيض، ما فاقم الأعباء على السكان في منطقة تعاني من ضعف الدخل وغياب البدائل المستقرة للطاقة.

ولم تصدر AK Energy حتى الآن بياناً تفصيلياً يوضح أسباب التخفيضات الأخيرة أو يقدّم جدولاً زمنياً لإعادة التغذية إلى مستوياتها السابقة، بينما تقول مصادر محلية إن مطالبات رُفعت إلى المجالس المحلية والجهات الإدارية لإيجاد حل.