تل أبيض – سوريا
داخل أحد الأفران التقليدية، يواصل أبو زكور، الخباز المخضرم، إعداد المعروك بوصفته المتوارثة عبر الأجيال، محاولًا الموازنة بين الحفاظ على جودة المنتج ومجاراة الظروف الاقتصادية المتغيرة. وبينما يتحدث إلى زبائنه عن الأسعار، يعكس حديثه واقع السوق الذي يتسم بعدم الاستقرار، فيقول:
“هذا اليوم بـ 75 ليرة تركية بعنا الرغيف العادي لم يعد عندي من المحشي بالقشطة…. لقد بعته اليوم بسعر 100 ليرة تركية …وهناك أصغر منها بعتها بسعر 35 ل.ت فقط.”
كلمات أبو زكور وإن بدت عفوية، فإنها تعكس مشهدًا اقتصاديًا معقدًا يواجهه أصحاب المخابز والمستهلكون على حد سواء. فالمعروك، الذي كان تقليدًا رمضانيًا ميسرًا للجميع، بات اليوم يخضع لتفاوتات سعرية كبيرة، متأثرًا بارتفاع أسعار المواد الأولية من طحين وسكر وحليب، فضلًا عن تكاليف الإنتاج المتزايدة.
في الوقت الذي تُباع فيه المعروكة العادية بـ 75 ليرة تركية (18.75 ألف ل.س) في بعض مناطق تل أبيض ورأس العين شمال الرقة والحسكة المحاصرة (نبع السلام) فلا تتجاوز أغلاها 15 ألف في المناطق السورية الأخرى، ومع ذلك فالأسعار تتباين حسب المكونات والحجم إذ يتراوح سعر المعروك بين 35 ليرة تركية إلى 100 ليرة تركية (10 – 25 ألف ل.س) حسب الأحجام نوع الحشوة، وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار، يظل الإقبال على المعروك قائمًا، خاصة في ظل ارتباطه بالعادات الرمضانية
بين جودة المنتج وضغط التكاليف
يرى أصحاب المخابز أن التحدي الأكبر يتمثل في توفير المعروك بسعر يناسب المستهلكين، دون المساس بجودته. يقول أبو زكور: “نحاول التخفيف عن الناس، لذا نبيع بسعر أرخص من العام الماضي.”
ويضيف أبو زكور: “السنة الماضية، كنت أبيع المعروك المحشو بـسعر 150 ليرة تركية، التي كانت تعادل (37,500 سورية بصرف اليوم)، أما هذا العام فأبيعه بـ 100 ليرة تركية فقط (25,000 سورية)، رأفةً بالناس الذين لا يستطيعون الشراء بسبب الحصار وقلة الحيلة.” ويشير إلى أن الوضع في منطقة “نبع السلام” يزداد صعوبة مع استمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه السكان يوميًا.
صناعة المعروك في رمضان
تزدهر صناعة المعروك خلال شهر رمضان، حيث تختلف عجينته عن باقي أنواع المخبوزات، مما يجعله سهل الأكل وسلس الهضم، خاصة للصائم الذي يكون منقطعًا عن الطعام لساعات طويلة. ويمتاز المعروك بمكوناته الفريدة، إذ يُصنع باستخدام الزبدة، السكر، نكهة ماء الزهر، والطحين، ويتم حشوه بحشوات متنوعة مثل التمر عالي الجودة أو جوز الهند المعجون بالسمن البلدي، بالإضافة إلى الزبيب.
بالنسبة للكثير من السوريين، يظل المعروك أكثر من مجرد خبز محلى، فهو جزء من ذكريات الطفولة ودفء العائلة، ونكهة لا تكتمل موائد الإفطار بدونها. وبينما تظل الأسعار مرهونة بتقلبات السوق، فإن رائحة المعروك ستظل تفوح من الأفران، معلنةً عن قرب موعد الإفطار، وعن استمرار تقاليد راسخة رغم تغير الظروف.
سواء كان سادة أو محشوًا، بسيطًا أو فاخرًا، يظل المعروك علامة فارقة في رمضان السوري، يروي حكاية من الطعم والتقاليد، بينما تبقى رائحته العابقة في الشوارع تذكر الجميع بأن الإفطار في نهاية اليوم الرمضاني قد اقترب.
صناعة المعروك في تل أبيض – دجلة
