الحسكة – للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، يلوح في الأفق مسار سياسي قد يعيد رسم علاقة الأكراد بالدولة السورية، بعد إعلان الرئاسة السورية التوصل إلى تفاهم مشترك مع القوات الكردية (قسد) حول مستقبل محافظة الحسكة وآليات الدمج الإداري والعسكري، في وقت تضغط فيه الولايات المتحدة باتجاه إنهاء الصيغة العسكرية المنفصلة التي حكمت المنطقة منذ بداية الحرب على تنظيم داعش 2015.
ووفق بيان رسمي نقلته وكالة سانا، مُنحت (قسد) مهلة أربعة أيام للتشاور الداخلي ووضع خطة تنفيذية للدمج، وينص التفاهم على عدم دخول القوات الحكومية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، والاكتفاء بالتمركز في محيطهما، وعدم دخول أي قوات عسكرية إلى القرى ذات الغالبية الكردية، وحصر المسؤوليات الأمنية بقوى محلية من أبناء المنطقة.
كما يتضمن الاتفاق دمج التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة لـ (قسد) ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، ودمج المؤسسات المدنية في هيكل الدولة، إلى جانب تنفيذ المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للكرد. ويذهب الاتفاق أبعد من الترتيبات الأمنية، إذ ينص على ترشيحات لمنصب مساعد وزير الدفاع، ومحافظ الحسكة، وتمثيل في مجلس الشعب، في محاولة لإدماج النخب المحلية داخل النظام السياسي الجديد.
نهاية وظيفة قسد
يتقاطع هذا التفاهم مع تحول واضح في المقاربة الأميركية، ففي بيان مطوّل نشره المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، اعتبر أن “أعظم فرصة متاحة أمام الأكراد اليوم تكمن في الاندماج الكامل ضمن دولة سورية موحّدة”، مستندًا إلى تغيّر السياق الاستراتيجي بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود حكومة مركزية جديدة برئاسة أحمد الشرع.
منذ البداية، بُرّر الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة السوري بشراكته مع (قسد) في محاربة تنظيم داعش، حيث لعبت هذه القوات دورًا حاسمًا في هزيمة “التنظيم” عام 2019، وتولت إدارة سجون ومخيمات تضم آلاف المقاتلين وعائلاتهم، مثل الهول والشدادي وغويران وغيرها في الحسكة وخارجها، غير أن واشنطن ترى اليوم أن هذه الوظيفة انتهت إلى حد كبير، بعد انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمكافحة داعش أواخر 2025، واستعدادها لتسلّم الملف الأمني.
وبحسب باراك، تعمل الولايات المتحدة على تسهيل اتفاق اندماج وُقّع في 18 كانون الثاني، يتضمن دمج عناصر (قسد) في الجيش كأفراد، وتسليم البنى التحتية الاستراتيجية – من حقول نفط ومعابر وسدود – إلى الدولة السورية، ونقل إدارة سجون داعش إلى دمشق، وتؤكد واشنطن أنها لا تسعى إلى وجود عسكري طويل الأمد، بل إلى تثبيت الاستقرار ومنع عودة التنظيم.
توتر ميداني رغم الهدنة
لكن المسار السياسي لا يسير بمعزل عن توترات ميدانية حادة. فقد أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق نار لمدة أربعة أيام عقب الاتفاق، في وقت قالت فيه إنها تولّت تأمين مخيم الهول بعد انسحاب عناصر (قسد) المكلّفين بحراسته “من دون إنذار”، معتبرة أن ذلك كاد يفتح ثغرة أمنية خطيرة.
في المقابل، قدّم مظلوم عبدي رواية مختلفة، مؤكداً أن قواته انسحبت إلى المناطق ذات الغالبية الكردية لحمايتها، واصفًا أمن هذه المناطق بأنه “خط أحمر”، ومتهمًا القوات الحكومية بمواصلة الهجمات على الحسكة وريفها و عين العرب/كوباني، ومحاولة اقتحام منشآت احتجاز عناصر داعش في الشدادي ومخيم الهول باستخدام آليات ثقيلة.
ودعا التحالف الدولي إلى التدخل لحماية هذه المنشآت والسجون والضغط باتجاه العودة للحوار مع دمشق.
ورغم إعلان القوات الكردية التزامها بوقف إطلاق النار والانفتاح على الحلول السياسية، سُجّل قصف صاروخي لقرية العامرية في ريف رأس العين من مواقع قسد في تل تمر قبيل دخول الهدنة حيّز التنفيذ، ما عكس هشاشة الوضع الميداني.
واشنطن وأنقرة والكرد
تتجاوز رهانات هذا التفاهم حدود محافظة الحسكة. فبالنسبة لواشنطن، يمثّل الاندماج فرصة لإنهاء نموذج الكيانات العسكرية شبه المستقلة، وتركيز الجهود على مكافحة بقايا داعش ضمن شراكة رسمية مع دولة مركزية معترف بها. أما بالنسبة للأكراد، فهو اختبار بالغ الحساسية بين مكاسب محتملة – حقوق مواطنة كاملة، ضمانات ثقافية، مشاركة سياسية – ومخاوف تاريخية من العودة إلى التهميش.
وفي الخلفية، تتابع أنقرة هذه التطورات بحذر، وسط اتصالات مكثفة بين وزير خارجيتها هاكان فيدان ونظيره الأميركي ماركو روبيو، في ظل تشابك الملفات الإقليمية من سوريا إلى غزة.
أما في واشنطن، فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لصحيفة “نيويورك بوست” إن بلاده لعبت “دورًا حاسمًا” في إحباط محاولة هروب سجناء أوروبيين من أحد السجون في سوريا، في إشارة إلى استمرار الحضور الأميركي في الملف الأمني رغم خطاب تقليص الوجود العسكري.
بين هذه التوازنات المتشابكة، تبدو الحسكة اليوم مختبرًا فعليًا لمستقبل سوريا ما بعد الحرب: هل تنجح تجربة الاندماج في إنتاج نموذج شراكة وطنية مستقرّة، أم أن التناقض بين الوقائع الميدانية والحسابات السياسية سيعيد المنطقة إلى دوامة التوتر وعدم الاستقرار.
