الصواريخ الموجهة، عمليات تسلل إلى نقاط التماس، القنص، تفجير النقاط، تكتيكات اتبعتها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وما يسمى “قوات تحرير عفرين” (HRE) للوصول إلى نقاط التماس بين مناطق سيطرة “قسد” و”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، وشنّ الهجمات.

شعر عناصر “الجيش الوطني” في إحدى نقاطهم على خطوط التماس، بوجود حركة غير طبيعية في نقطة “قسد” المقابلة لهم، لكنهم لم يستطيعوا التحقق منها بسبب افتقارهم للمناظير الليلية أو الحرارية، وبقوا متيقظين في حال تعرضهم لهجوم مباغت.

مرت ساعات الليل ولم تحدث أي مناوشة أو اشتباك، وهو أمر معتاد في نقاط التماس بين مناطق سيطرة “قسد” و”الجيش الوطني”، وبقيت الأمور هادئة حتى اقتراب الفجر.

تكون الحراسة في هذه الفترة مقتصرة على الأشخاص الموكلين بالرصد فقط، وبقية العناصر الموجودين في النقاط نائمون، بحسب ما قاله محمد لعنب بلدي، وهو أحد مقاتلي “الجيش الوطني” (تحفظ على ذكر اسمه الكامل).

قطع سكون الفجر أصوات طلقات قناصة “قسد” وهي تصطدم بـ”دشم” نقطة “الجيش الوطني”، وتزايدت رصاصات القناصة ما خلق حالة ارتباك شديد لدى عناصر “الجيش الوطني” الموجودين في النقطة، وأيضًا مجموعة محمد التي ستتوجه للمؤازرة، فالجميع مرصود من قبل نيران قناصة “قسد”.

وسيطر طلب المؤازرة على أجهزة اللاسلكي من قبل عناصر النقطة، ليصل محمد مع مجموعته إليهم “بصعوبة بالغة”، ويجد أحد زملائه مصابًا بعدة رصاصات، ممددًا على الأرض والدماء تنزف منه بغزارة.

كانت أصوات عناصر “قسد” تبدو “قريبة جدًا”، قال محمد، “لم نكن نستطيع رفع رؤوسنا لتمشيط المنطقة المقابلة لنا بسبب كثافة نيران القناصة المعادية”.

وصلت مؤازرات أخرى وتوسع الاشتباك حتى طلوع الشمس لينسحب عناصر “قسد” من المنطقة وتنتهي عملية التسلل.

قال محمد، “اعتدنا أسلوب (قسد) في التسلل مع ساعات المساء الأولى، وبقائهم بالقرب من أماكن رصدنا ساعات طويلة، بغية رصد طبيعة الحركة في نقاطنا، وكي يهاجمنا عناصرهم من أماكن قريبة جدًا من مراصدنا، ما يصعّب على عناصرنا توقع مكان الهجوم”.

ويسيطر “الجيش الوطني” على أرياف في محافظة حلب شمالي سوريا، إضافة إلى مدينتي رأس العين شمال غربي الحسكة وتل أبيض شمالي الرقة، بينما تنتشر “قسد” على الخطوط المقابلة لهذه السيطرة في محافظات الحسكة والرقة وحلب.

هجمات “قسد” بين التمويه ورسائل الضغط

أوضح المتحدث باسم “الجيش الوطني”، الرائد يوسف حمود، في حديث إلى عنب بلدي، أن “قسد” تهدف من خلال عمليات التسلل المستمرة والهجمات على نقاط “الجيش” إلى تحصيل عدة مكاسب أو أهداف.

يعتبر استكشاف النقاط العسكرية وأعداد العناصر ونوعية التسليح لدى “الجيش” أحد أبرز الأهداف التي تقف خلف عمليات التسلل المستمرة.

بينما تكون بعض العمليات العسكرية للتغطية على دخول السيارات المفخخة من مناطق أخرى إلى مناطق سيطرة “الجيش الوطني”، بحسب الرائد يوسف حمود.

وذكرت وكالة “هاوار” المقربة من “الإدارة الذاتية”، في 2 من أيلول الحالي، أن “قوات تحرير عفرين” أعلنت عن قتل 11 عنصرًا من “الجيش الوطني” بعمليات استهداف ليلية ونهارية طالت نقاط التماس.

ونشرت “قوات تحرير عفرين” تسجيلًا مصوّرًا، في 12 من أيلول الحالي، أظهر هجومًا ليليًا استخدمت فيه القوات أجهزة ومعدات ليلية، وإصابة عناصر من “الجيش الوطني” بإطلاق نار من مسافة قريبة، وأسلحة خفيفة حصل عليها المهاجمون من نقطة “الجيش”.

كما نشرت وسائل إعلام كردية مقربة من “قسد” عمليات استهداف “دشم” وخيم داخل نقاط “الجيش الوطني” بصواريخ موجهة مضادة للدروع.

و”قوات تحرير عفرين” هي مجموعة من المقاتلين الكرد، الذين يصفون تجمعهم بـ”حركة مقاومة” عبر شنّ هجمات تستهدف الجيش التركي و”الجيش الوطني” المدعوم من تركيا في عفرين ومناطق أخرى.

وهذه الحركة لا تقول صراحة إنها تابعة لـ”وحدات حماية الشعب” (الكردية) أو “قسد”، إلا أنها تنفذ عملياتها انطلاقًا من مناطق سيطرة “قسد”، وأظهرت مقاطع لها امتلاكها معدات متطورة لعمليات التسلل.

كما تحدث “مجلس الباب العسكري” عن استهداف مقر ونقاط للجيش التركي و”الجيش الوطني” في قرية الياشلي، في 7 من أيلول الحالي.

وبدأت العملية بـ”تفجير مؤثر”، أدى إلى “تدمير جزء كبير من المقر والعربات المصفحة والتحصينات، كما تم توجيه ضربات مؤثرة إلى التحصينات والآليات المدرعة والأسلحة الثقيلة في محيط المقر”، وقُتل، حسب بيان “مجلس الباب العسكري”، 12 جنديًا تركيًا وعشرة من عناصر “الجيش الوطني” وجُرح آخرون، لكن دون أي تعليق أو تأكيد من الجانب التركي.

وجاءت العملية ردًا على ما سماه “مجلس الباب” عملية “ردع”، بعد مقتل عدد من عناصر وقياديّي “قسد” بقصف الطيران المسيّر التركي في آب الماضي.

بدورها، تعلن فصائل “الجيش الوطني” عن قصف نقاط “قسد” بالمدفعية وراجمات الصواريخ ردًا على عمليات التسلل أو قصف مناطق سيطرة “الجيش الوطني”.

رسائل

لبعض عمليات “قسد” العسكرية، حسب حمود، رسائل ضغط سياسية يختلف مرسلها بسبب تعدد الجهات الداعمة لها، فالتحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية أبرز داعمي “قسد”.

وبحسب حمود، فإن “نقص الخبرة، والضعف في بعض النقاط العسكرية، أدى إلى تمكن (قسد) من إحداث خروقات في عدة جبهات، وتمكنها من إيقاع قتلى وجرحى في صفوف عناصر (الجيش الوطني)”.

ويأتي تفوّق “قسد” في عمليات التسلل الليلي خاصة، نتيجة الدعم العسكري الذي تتلقاه من أمريكا، ما مكّنها من اقتناء أحدث المعدات العسكرية، خاصة المناظير الليلية والحرارية، التي تشكّل نقطة فارقة في الحرب التي تخوضها ضد “الجيش الوطني”.

كما تقف روسيا خلف “قسد”، وتربطها علاقات تعاون مع النظام السوري، و”حزب الله” اللبناني و”الحرس الثوري الإيراني” في بعض العمليات العسكرية خاصة في مدينة اعزاز شمالي حلب، حسب حمود.

وكان “الجيش الوطني” أعلن، في 12 من أيلول الحالي، عن أسر أحد عناصر قوات النظام بعد عملية تسلل واشتباك مع “قسد” في جبهة كفر خاشر جنوبي اعزاز، وهو ما اعتبره حمود بدعم النظام وحلفائه لـ”قسد” في العمليات العسكرية والتفجيرات التي تستهدف “الجيش الوطني” في مناطق سيطرته.

وتضرب مناطق سيطرة “الجيش الوطني” تفجيرات أودت بحياة مدنيين، اتهم “الجيش” بوقوف خلايا تتبع للنظام و”قسد” وتنظيم “الدولة الإسلامية” خلفها.

كما استُهدفت الأحياء السكنية في أرياف حلب بقصف مصدره مناطق سيطرة “قسد” والنظام، آخره كان في 7 من أيلول الحالي، في قرية الشيخ ناصر بريف مدينة الباب شرقي حلب، وأسفر عن إصابة مدني، ونفوق عدد من المواشي في محيط منزل مستهدف، بحسب “الدفاع المدني”.

وفي 25 من تموز الماضي، أُصيب ثمانية مدنيين بجروح جراء سبع هجمات بصواريخ “غراد” من قبل “قسد” على وسط مدينة عفرين، كما تسبب القصف بأضرار مادية في بعض المنازل التي سقطت عليها القذائف، بحسب ما قاله” الدفاع المدني”.

وعادة ما تنفي “قسد” مسؤوليتها عن القصف الذي يستهدف مناطق سيطرة المعارضة في ريفي حلب الشمالي والشرقي وعفرين.

لماذا تعتمد “قسد” هذا الأسلوب من الهجمات

يرى الرائد يوسف حمود أن السبب الذي يدفع “قسد” لشنّ مثل هذه العمليات، أي أسلوب حرب “العصابات”، على عكس المعارك التي شهدتها المناطق التي تقدم إليها النظام، يعود إلى الخيارات العسكرية “المحدودة” أمام “قسد”.

ولا يمكن لقوات “قسد” اتباع أسلوب النظام في المعارك العسكرية المفتوحة، بينما أصبحت تمتلك خبرة واسعة في حرب “العصابات” من خلال تدريب مجموعات مخصصة لعمليات التسلل وعمليات التسلل الليلي خاصة.

كما أثّر وجود عناصر حزب “العمال الكردستاني” مع البدايات الأولى لتأسيس “وحدات حماية الشعب” (الكردية)، التي تعتبر عماد “قسد”، وتسلّم قادة الحزب مفاصل المناصب العسكرية في “قسد”، على أسلوبها وتطويره والاهتمام بحرب “العصابات” التي يتقنها حزب “العمال” منذ الثمانينيات.

وأشار حمود إلى صدّ “الجيش الوطني” عدة محاولات تسلل استهدفت نقاطه العسكرية، وأوقعت قتلى وجرحى من “قسد”، وأسر عدة عناصر بينهم عناصر يتبعون للنظام وميليشيا “فاطميون” الأفغانية الممولة إيرانيًا.

وخاض “الجيش الوطني” عمليتين عسكريتين ضد “قسد” إلى جانب الجيش التركي، هما “نبع السلام” شرق الفرات في 9 من تشرين الأول 2019، سيطر خلالها على تل أبيض ورأس العين، و”غصن الزيتون” عام 2018، وسيطر خلالها على منطقة عفرين شمال غربي محافظة حلب.

عنب بلدي – علي درويش