تبريرات المواجهات على الحدود اللبنانية السورية تحاول إخفاء مشهد بالغ التعقيد، ولذا يجب أن يدرك لبنان، وإعلامه خصوصًا، حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن نصف مشاكل سوريا هي في الأصل نتيجة لتدخلات أمنية وعسكرية على أراضيه من قبل إيران التي تسعى للهيمنة على المنطقة، واتخذت من لبنان منصة للهجوم على سوريا والمجتمع السوري.

تعاون إيران مع عائلة الأسد لم يقتصر على تدمير سوريا وحسب، بل وصل إلى إفقار الشعب السوري، لتدفعهم في رحلة الهجرة بحثًا عن لقمة العيش في شوارع بيروت والمدن اللبنانية، حيث يعمل حزب الله، بشراكته المعلنة مع إيران، فكان له الدور الأبرز في تشكيل مجموعات هدفها السيطرة على سوريا ثم استخدمها بقمع الثورة السورية، وكان خالد مرعي الحسن، قائد لواء الباقر، أحد أبرز أدوات هذا التعاون بالإضافة لتدخل عناصر الحزب بشكل مباشر بالمعارك في القصير والقلمون وحمص وحلب ودير الزور.

وعلى هذا الأساس، فإن التورط اللبناني في الصراع السوري ليس أمرًا خفيا، ولكن ربما يختلف بين الأطراف اللبنانية. ففي حين أن حزب الله كان له دور كبير في تأجيج النزاع عبر دعمه للنظام السوري، كانت هناك أطراف أخرى في لبنان تحمل مواقف أكثر حيادية أو حتى مناهضة للهيمنة الإيرانية في المنطقة لكنها لم تستطع وقف استفزاز الحزب اللبناني الطائفي للمشاعر الطائفية السورية المناقضة والتي تضخمت على وقع المناكفات الإعلامية المستمرة، ومن ثمارها الحتمية الانفجار بوجه الجميع.

اليوم، التحدي الأكبر يكمن في أن أيدي بعض الأطراف اللبنانية متورطة في مسار الدماء التي سالت في سوريا على مدى 14 عاما، ثم عادت للتورط بمجزرة الساحل السوري بحق المئات من عناصر الامن إلى جانب المئات من المدنيين، وهنا لا يلقى اللوم على ذيول إيران فقط، بل على أولئك الذين جاهروا على مدى عقد كامل بعدائهم للسوريين، ودعوا إلى إبادة الشعب السوري، وشوّهوا سمعة كل رمز سوري، هذه الاستفزازات بالتأكيد لن تنتج المحبة والسلام بين البلدين ولن تمر مرور الكرام مع استمرار خطاب التحريض والكراهية. لبنان قد يدفع ثمنًا باهظًا، ربما أكبر مما دفعه نتيجو تحرشات حزب الله بإسرائيل في حربها الأخيرة على أراضيه بسبب تصرفات حزب لبناني بولاء إيراني، مع ملاحظة أن ما خلفته هجماته على الأراضي المحتلة لم تقتل من الإسرائيليين ولم تدمر من مبانيهم حتى 1 بالألف مما اقترفه على الأراضي السورية، اللهم إلا حادثة استهداف ملعب لأطفال سوريين قتلهم الحزب بصاروخ استهدف الجولان السوري المحتل!

حزب الله، المدعوم من إيران، لم يكتفِ بإشعال جبهات حدودية مع سوريا وبالساحل مستغلا اللون الطائفي، بل أخذ الأمر إلى حدود جديدة شمال الليطاني، محاولًا استعراض قوته من جديد عبر تهديدات مفتوحة بمهاجمة إسرائيل من جديد، في رسالة مفادها أن إيران قادرة على إشعال حرب جديدة إذا ما فكرت أمريكا في قطع أذرعها من الميليشيات في العراق أو الضغط عليها في طهران.

وفي هذا السياق، تأتي الزيارة المرتقبة للوفد الأمني اللبناني إلى دمشق، بقيادة وزير الدفاع ميشال منسى، يرافقه مدير الأمن العام حسن شقير ومدير المخابرات في الجيش اللبناني طوني قهوجي، للقاء وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة. بهدف تهدئة التوترات وضبط الحدود، فيحاول لبنان تبرئة ساحته من دوره في تأجيج الصراع السوري. لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي أن التواطؤ من طرف لبناني في تهريب السلاح والمقاتلين كان أحد أبرز أسباب الانفجار الحدودي المستمر وأيضا هجوم الساحل.

هجوم 6 آذار، الذي جاء بتنسيق واضح مع حزب الله، أثبت هشاشة الجيش اللبناني الذي لا يزال عاجزًا عن ضبط الحدود، فمرة يُقال إن منفذي الهجوم هم عناصر حزب الله، وأحيانًا يُلقى اللوم على عشائر ومهربين عبر الحدود. إذا كان الجيش اللبناني عاجزًا عن ضبط حدوده، فكيف يُروَّج له كحامٍ للبنان؟ تحالفاته مع الغرب! سيكون مصيرها كمصير تحالفات حزب الله مع إيران.

السوريون أقرب لكم من أي وقت مضى، ولا بد أن تكونوا خير جيران، لا مجرد بيادق في لعبة إيرانية خاسرة، لا تعودوا إلى دور الشريك في سفك الدم السوري الذي لعبتموه على مدى السنوات الماضية بسنان سلاح حجة إشهاره تحرير القدس وفلسطين وحماية لبنان، الشعوب لا تنسى ولا تغفر الإجرام بحقها.

وفي النهاية، إن مستقبل العلاقات السورية-اللبنانية رهن بإعادة النظر في هذه التحالفات الإقليمية، وضمان توقف لبنان عن لعب دو “المنصة” لصراعات خارجية على حساب استقراره واستقرار جواره.

كما يجب على الحكومة السورية وإعلامها أن يتحملوا مسؤولياتهم في مواجهة هذه الأصوات اللبنانية المشبوهة، يجب أن يتوقف هذا الخطاب التحريضي، وأن يتم كشف تورط الأيادي اللبنانية المرتبطة بإيران في مجازر الساحل، بدلًا من الاستمرار في إخفاء الحقائق، أي تعاون أمني بين دمشق وبيروت بشأن الحدود يجب أن يربط بالابتعاد عن إيران ولجم أتباعها وإبعادهم عن الحدود السورية حتى لا تُستخدم الميليشيات اللبنانية بدعم فلول النظام ضد القوات السورية، فهل يتعظ لبنان قبل أن يفوت الأوان؟

محمـــــد العـــــلي