حظي تعيين محمد ياسين صالح وزيرًا للثقافة بتفاعل إيجابي واسع في الأوساط السورية بسبب كلمته المؤثرة والفصيحة في مراسم إعلان الرئيس أحمد الشرع الحكومة، حيث قال الوزير:
“لقد صمنا عن الأفراح دهراً.. وأفطرنا على طبق الكرامة
فسجّل يا زمان النصر سجّل.. دمشق لنا إلى يوم القيامة.”
هذه الكلمات لاقت صدى واسعًا لدى السوريين، حيث رأوا فيها تعبيرًا عن مرحلة جديدة تعكس الروح الوطنية والانتماء الثقافي لسوريا، حيث اعتُبر مثالًا على تطبيق مقولة: “الرجل المناسب في المكان المناسب” ، حتى تمنى الصحفيون دمج وزارة الإعلام بالثقافة.
في المقابل، أثار تعيين حمزة مصطفى وزيرًا للإعلام ردود فعل متباينة، لأسباب عديدة أولها أنه لم يكن فصيحا كوزير الثقافة وتلعثم كثيرا ورفع المكسور من الكلمات، وسط مطالبات من الصحفيين بإبعاده عن المشهد الإعلامي بسبب ما وُصف بأنه “تسلط” في إدارته السابقة لتلفزيون سوريا، إضافة إلى ارتباط اسمه بالمفكر الفلسطيني – الإسرائيلي عزمي بشارة، ما أثار تحفظات حول توجهاته الإعلامية الحالية والتي ستؤثر على الإعلام الرسمي السوري وعلى المشهد الإعلامي العام مستقبلا.
بعيدا عن المقارنة بين الوزراء وضعف كلمات بعضهم، جاءت التشكيلة الحكومية دون رئيس وزراء، حيث يتواصل الوزراء مباشرة مع الرئيس، الذي يلعب دور رئيس الحكومة أيضا على أساس الإعلان الدستوري، ما رغم إشاراتها الإيجابية، لا تزال موضع جدل داخل الأوساط السورية، وهو ما يجعلها أمام اختبار مستمر في قدرتها على كسب ثقة الرأي العام السوري قبل الدولي.
جاء هذا التشكيل، الذي يضم 23 وزيرًا، في إطار مرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات، تستهدف إعادة تأهيل الدولة بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب المدمرة نتيجة قمع الثورة السورية من قبل بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين والميليشيات اللبنانية والعراقية الشيعية.
قائمة الوزراء، رغم احتوائها على وجوه شابة من جيل الثمانينات والتسعينات، تضم وزراء عملوا سابقا كوزراء قبل 2011 مع بقاء محورية شبكة الولاءات التي اعتمدت عليها السلطة سابقًا، إذ ظل وزيرا الخارجية والدفاع في مناصبهما، كما تم إبراز وجوه أمنية بارزة بتعيين رئيس الأجهزة الاستخباراتية في وزارة الداخلية رغم الانتقادات حول تأخر اكتشاف التخطيط لهجمات الساحل من قبل مجموعات الفلول الميليشيات المرتبطة بإيران. هذا التداخل بين التجديد واستمرارية الشخصيات الأمنية يُعد مؤشراً على الرغبة لدى الرئيس الشرع في تحقيق استقرار فوري، مع محاولة تجديد الواجهة السياسية في آن واحد بهدف إرضاء المجتمع الدولي الذي يضغط بقوة مستغلا ملفات العقوبات واللاجئين والإرهاب والأقليات المقلقة للحكم الجديد.
فالتشكيلة، التي طالبت بها ضغوط المجتمع الدولي لتعزيز الشمولية، جاءت لتحتضن تنوعًا رمزيًا في التمثيل السياسي؛ حيث شُملت أسماء من مختلف المكونات الدينية والعرقية، أبرزها تعيين الوزيرة هند قبوات – سيدة مسيحية – لتولي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، إضافة إلى وزراء من الطوائف الدروز والأكراد والعلويين، إلا أن هذا التنوع، رغم قيمته الرمزية، يبقى عرضاً شكلياً في ظل استمرار السيطرة المركزية على الملفات السيادية مثل الخارجية والدفاع والداخلية إلى جانب وزارات أخرى مثل العدل.
جاءت هذه التعيينات في وقت تتصاعد فيه التوترات، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، وسط مطالبات متزايدة بتحقيق إصلاحات مؤسسية جذرية وفصل حقيقي للسلطات، إذ يمنح الإعلان الدستوري الجديد للرئيس صلاحيات واسعة في تشكيل الهيئات الثلاث – التشريعية والتنفيذية والقضائية – ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على الانخراط في مسار إصلاحي حقيقي بعيداً عن إعادة توزيع النفوذ التقليدي.
بهذا التشكيل، يبدو أن الحكومة الجديدة تسعى إلى إرساء دعائم دولة مركزية قوية تتجاوز الفوارق الطائفية والجغرافية، إلا أن النجاح في هذا المسعى يعتمد على قدرة القيادة على ترجمة الخطابات إلى إصلاحات ملموسة، واستطاعة السلطات على استعادة الثقة الوطنية بعد فترة طويلة من الانقسامات والصراعات والاستقطاب داخل المجتمع السوري، وهي في أعلى مستوياتها حاليا، لهذا تظل الأيام القادمة كفيلة بتقييم مدى نجاح الحكومة الجديدة من خلال التجربة السياسية في إعادة بناء الدولة السورية وتوحيد شرقها مع غبرها وشمالها مع جنوبها وقطع الطريق على الطامعين بكسب نفوذ أكبر مستغلين فراغ السلطة والانقسام الحاصل بعد فرار بشار الأسد وحل الجيش والأجهزة الأمنية فالتأخيرات بإعادة الهيكلة والبناء وسط التحديات داخلية وإقليمية لا تحمد عقباها!