أواخر تسعينات القرن الماضي، كنتُ يافعاً، جلستُ إلى نساءٍ كنّ كبيرات في السن – رحلن اليوم – وسمعتُ نقاشهن حول من هي الأكبر عمراً بينهن، قالت إحداهن: إنها تتذكّر سنة “الطامّة”.

قرأتُ لاحقاً أن المقصود هو عام 1929، حين فاض نهر الفرات وملأ واديه، حتى لامست المياه أوّل جبال الشامية، على بُعد نحو أربعة كيلومترات من مجراه الحالي.

يقول تاريخ النهر إن الفرات فاض ثلاث مرات بشكل كبير خلال القرنين الماضيين.

الفيضان الكبير


في ربيع عام 1884، وتحديداً خلال شهري نيسان وأيّار، شهد النهر ارتفاعاً كبيراً في منسوبه نتيجة ذوبان الثلوج في مرتفعات الأناضول، منبع الفرات. تدفقت المياه بكميات فاقت قدرة المجرى الطبيعي، فاجتاحت القرى والمدن على ضفتيه.

تركّزت الأضرار في الرقة ودير الزور، حيث سُوِّيت بعض القرى، خاصة المبنية من اللبن، بالأرض، تكبّد الفلاحون خسائر فادحة بعد أن طُمرت حقول القمح والشعير بطبقات من الرمال التي حملتها المياه، كما غمرت المياه أحياءً في دير الزور القريبة من النهر، ودمّرت طواحين مائية كانت تمثل عصب الحياة الاقتصادية.

أدى الفيضان إلى انتشار أمراض مثل الملاريا، ودفع عائلات وقبائل إلى النزوح نحو المناطق المرتفعة أو البادية السورية.

فيضة أبو عبّار


الفيضان الثاني، والأكثر حضوراً في الذاكرة الشعبية، وقع عام 1929، ويُعرف بـ”الطامّة” أو “فيضة أبو عبّار”، ويُروى أن أبا عبّار، وهو رجل من دير الزور، حاول إخراج جذع شجرة من النهر أثناء الفيضان، فجرفته المياه وغرق.

في ذلك العام، ارتفع منسوب المياه بشكل غير مسبوق، وبلغ تدفق الفرات نحو 6000 متر مكعب في الثانية، مقارنة بالمعدل الطبيعي البالغ نحو 800 متر مكعب.

أتلفت المياه المزروعات، واقتلعت “السيابيط” التي كان سكّان أرياف الرقة يتخذونها مساكن صيفية من أعواد السوس وأشجار الطرفة، ويستذكر بعض أهالي الكسرات جنوبي الرقة مرور جماعة من البدو بأغنامهم وإبلهم قرب قرية كسرة عفنان، قبل أن يباغتهم الفيضان؛ فنجا البدو، وجُرفت الأغنام، فيما احتمت الجمال فوق تلّ سُمّي لاحقاً “طعس الإباعر”.

في دير الزور، سمح ارتفاع المنسوب للقوارب بالتنقل داخل أحياء المدينة القديمة، بينما غمرت المياه المقاهي والمنتزهات الصيفية على ضفة النهر، المعروفة محلياً بـ”الجراديق”.

1967… الفيضان العظيم


تبعد قرية رطلة نحو ثلاثة كيلومترات عن مجرى الفرات. يقول محمد الحجي (66 عاماً) إنه يتذكر وصول المياه عام 1967 إلى مسافة لا تبعد سوى مئات الأمتار عن منزل عائلته، ويضيف أن كبار السن يومها سارعوا لإخراج أغنامهم من أراضي “الزور”، بينما حالت المياه، التي سلكت المنخفضات، دون عودة صغار الرعاة إلى منازلهم.

في ذلك العام، أدت أمطار ربيعية رافقتها أجواء دافئة إلى ذوبان الثلوج في تركيا، فتدفقت المياه بنحو 5000 متر مكعب في الثانية، وغمرت 38 قرية بين جرابلس والبوكمال.

بين الأثر والذاكرة


ورغم المآسي، حملت الفيضانات بعض الفوائد؛ إذ ساهمت في غسل التربة من الأملاح، وترسيب الطمي الذي أعاد خصوبتها وقلّل حاجتها إلى الأسمدة. كما دفعت، خصوصاً في الستينات، إلى إعادة التفكير في التوسع العمراني والابتعاد عن مجرى النهر.

ويُعدّ بناء سد الفرات في الطبقة أحد نتائج تلك التجارب، إذ جاء لتنظيم تدفق المياه والحد من أخطار الفيضانات، رغم أن دراساته تعود إلى ما قبل ذلك.

الفرات، في ذاكرة أهله، ليس مجرد نهر؛ بل كائن يغضب ويجود.
رحلت النسوة اللواتي شهدن “الطامّة”، وغيّبت المياه أبا عبّار، لكن القصص بقيت… محفورة في أسماء التلال، وفي المرويات التي لا تزال تتناقلها الأجيال.

علي الحمود