أعاد تعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول فتح ملف إدارة قطاع الطاقة في سوريا، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متراكمة على خلفية أزمة البنزين غير المطابق للمواصفات، والجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس التنفيذي السابق يوسف قبلاوي، إلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات واستمرار شكاوى المواطنين من نقص الإمدادات.
وأصدر الرئيس أحمد الشرع، في 18 تشرين الأول، المرسوم رقم 190 لعام 2026، القاضي بتعيين الحسن خلفاً لقبلاوي، بعد أيام من إعلان وزارة الطاقة نتائج التحقيق في أزمة البنزين، وموجة انتقادات طالت قبلاوي على خلفية تصريحات أدلى بها أمام عمال مصفاة حمص، قال فيها إن «الفيسبوك يقود الشعب السوري كالقطيع»، في سياق اعتراضه على الانتقادات التي طالت عقود الشركة.
لكن تغيير المسؤول الأول في الشركة لا يحسم الأسئلة التي كشفتها الأزمة: كيف وصلت مادة مخالفة للمواصفات إلى شبكة التوزيع رغم اكتشاف عدم صلاحيتها؟ ومن المسؤول عن الخلل الذي وقع أثناء محاولة إعادتها إلى مصدرها؟ وهل تستطيع الإدارة الجديدة تحويل التحقيق إلى إجراءات رقابية تمنع تكرار الحادثة؟ وأيضا عدم السماح لأي مسؤول بالإساءة للشعب السوري!
أزمة البنزين
في 13 تشرين الأول، أعلنت وزارة الطاقة نتائج التحقيق الفني في الأضرار التي لحقت بمركبات مواطنين، موضحة أن شحنة بنزين مخالفة للمواصفات كانت قد فُرّغت في مستودعات الشركة السورية للبترول، وقررت الشركة إعادة الشحنة إلى مصدرها، لكن خطأً تشغيلياً وقع أثناء نقلها عبر شبكة الأنابيب، ما أدى إلى اختلاطها ببنزين مطابق للمواصفات ووصول جزء من الخليط إلى السوق المحلية.
وقالت الوزارة إنها ستتخذ إجراءات قانونية بحق المسؤولين عن الخطأ والتقصير، كل بحسب مسؤوليته، كما كلفت الشركة وضع آلية لتعويض المتضررين على مراحل.
المشكلة، وفق الرواية الرسمية، في أن اكتشاف الشحنة المخالفة لم يمنع وصول جزء منها إلى المستهلكين، فالخلل لم يقع عند مرحلة الفحص الأولي وحدها، بل أثناء عملية يفترض أن تكون مخصصة لعزل الوقود المرفوض وإعادته إلى مصدره، وهذا يضع إجراءات الفصل بين المواد غير المطابقة والمخزون الصالح، وآليات تتبع حركة الوقود داخل المستودعات والأنابيب، في صلب الأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها الإدارة الجديدة للشركة ووزير الاقتصاد.
ويجب التثبت من أن إجراءات العزل والفحص والتوثيق قادرة على منع تكرار المشكلة، إلى جانب نشر معلومات واضحة عن آلية التعويض بالنسبة لأصحاب السيارات، ومعايير تحديد الأضرار، وكيفية البت في المطالبات لأن الأخطاء تنعكس على المستهلك المتذمر أصلا من ارتفاع الأسعار.
أزمة المازوت
أزمة البنزين جزء من مشكلة ارتفاع أسعار المحروقات في أيلول، والتي أثار احتجاجات في مناطق سورية عدة، بعدما رفعت الحكومة أسعار المشتقات النفطية، ومنها المازوت، بنسب وصلت إلى 40 بالمئة، ثم بررت الوزارة الزيادة بارتفاع تكاليف تأمين الوقود، والفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات، وتعطل مصفاة بانياس لأعمال الصيانة.
وفي 17 أيلول، أعلنت الوزارة طرح شرائح مختلفة من المازوت بأسعار ومواصفات متفاوتة لامتصاص غضب الشارع، وحددت أسعاراً تبلغ 115 و150 و175 ليرة سورية جديدة للتر، بحسب النوع والاستخدام، وكان الهدف المعلن تخفيف الأعباء عن بعض القطاعات والمستهلكين، مع إتاحة خيارات تتناسب مع الاحتياجات المختلفة.
غير أن وجود شرائح سعرية مختلفة لا يضمن وحده وصول الوقود إلى مستحقيه أو توافره بالكميات المطلوبة، وتبقى الفجوة بين الأسعار المعلنة وما يستطيع المستهلك شراءه فعلياً، إلى جانب تفاوت توفر المازوت بين المناطق، من العوامل التي تؤثر في تقييم السياسة الحكومية.
في رأس العين، شمال الحسكة، يقول إبراهيم أبو خليل إن السكان لم يلمسوا، بحسب تجربته، سوى ارتفاع أسعار البنزين والمازوت، ويذكر أن البنزين المكرر محلياً يُباع، وفق ما رصده، بسعر 150 ليرة سورية جديدة للتر، والمازوت المكرر بدائيا بسعر 165 ليرة وهو يفترض أنه من شريحة المازوت الأقل سعراً (115 ليرة).
وأشار إلى أنه كان يملأ سيارته 2000 ل.س جديدة وبات اليوم يشتري الكمية ذاتها من المازوت بسعر 3000 ل.س.
وتزداد حساسية هذا الملف مع اقتراب الموسم الزراعي الشتوي، حين يرتفع الطلب على الوقود لتشغيل الآليات الزراعية وتجهيز الأراضي، كما يعتمد كثير من السكان في الجزيرة السورية على المحروقات للتدفئة، في ظل ضعف الكهرباء النظامية ومحدودية البدائل المتاحة. ويقول أبو خليل إن المنطقة لا تصلها كميات كافية من المحروقات النظامية، ما يزيد الأعباء على الأسر والمزارعين في فترة ترتفع فيها الاحتياجات لتجهيز الأرض لموسع الحبوب الشتوي بالتزامن مع الحاجة لتأمين مازوت التدفئة للشتاء المقبل.
الإدارة الجديدة
يتولى الحسن رئاسة الشركة بعد عمله نائباً لوزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وهو منصب يضعه على تماس مع ملفات الأسواق والأسعار وسلاسل التوريد، كما سبق أن تولى وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد البشير بين كانون الأول 2024 وآذار 2025.
وتوفر هذه الخبرة خلفية إدارية في التعامل مع الأسواق والسلع الأساسية والرقابة على التجارة والتوصل مع الناس، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على قدرته في إدارة جميع جوانب شركة نفطية، تتطلب خبرة فنية في الإنتاج والتكرير والاستيراد والتخزين والنقل وتوزيع المشتقات إلى جانب الشهادة الأكاديمية.
بالنسبة إلى المستهلكين، لن يُقاس أثر التغيير الإداري باسم الرئيس التنفيذي الجديد وحده، بل بما إذا كان سيؤدي إلى وقود مطابق للمواصفات، وإمدادات أكثر انتظاماً، وأسعار يمكن فهم أسبابها ومراجعة آثارها.
ويظل ملف الأسعار أحد أكثر الملفات حساسية، ولهذا خرجت احتجاجات أيلول على رفع الأسعار، حتى عندما بررت الحكومة بارتفاع التكاليف والأسعار العالمية، يمكن أن يتحول إلى أزمة ثقة إذا لم تترافق القرارات مع شرح مقنع للأسباب، وبيانات قابلة للتحقق، وتوضيح للفئات المستفيدة من الدعم وآليات تطبيقه
تغيير القيادة وحده غير قادر على حل مشكلات القطاع لكنه يحدد المسؤوليات، ويؤكد أن مسؤولية ما حدث تتحملها الوزارة أيضا ولا تقع على الشركة السورية للبترول وحدها؛ فإمدادات الطاقة تتأثر أيضاً بالإنتاج المحلي (130 ألف برميل يوميا)، وقدرات التكرير (بانياس و حمص)، وكلفة الاستيراد، والبنية التحتية، والقرارات الحكومية المتعلقة بالتسعير والتوزيع وبالنقطة الأخيرة يرى السوريون المشكلة.
من هو ماهر خليل الحسن؟
بحسب السيرة المنشورة في صحيفة «الثورة السورية»، وُلد ماهر خليل الحسن في محافظة حماة عام 1986، وحصل على إجازة في الهندسة البترولية من كلية الهندسة البتروكيميائية بجامعة حمص عام 2010. وبدأ مسيرته المهنية في شركة حيان للنفط، حيث عمل ضمن إدارة العمليات الإنتاجية من أواخر عام 2011 حتى مطلع عام 2013.
وتذكر السيرة أنه أشرف لاحقاً على حقول نفط في مناطق شرقي حمص، وتولى ملف الخدمات العامة في المنطقة الجنوبية حتى أواخر عام 2016. وفي عام 2017، تولى إدارة هيئة شؤون المنظمات الدولية والمحلية، ثم شغل منصب معاون وزير الاقتصاد والموارد في حكومة الإنقاذ السورية منذ عام 2018 حتى عام 2024.
وبعد سقوط بشار الأسد، تولى الحسن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد البشير بين 10 كانون الأول 2024 و29 آذار 2025.
ومنذ الأول من نيسان 2025، شغل منصب نائب وزير الاقتصاد والصناعة لشؤون التجارة الداخلية وحماية المستهلك، قبل تعيينه رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول بموجب المرسوم رقم 190 لعام 2026.
وتجمع مسيرته، وفق هذه السيرة، بين تجربة مبكرة في قطاع النفط والعمل في الإدارة الحكومية والرقابة على الأسواق، لكن التحدي الذي ينتظره في منصبه الجديد لن يقتصر على إدارة العمليات، بل سيمتد إلى استعادة ثقة المستهلكين في سلامة الوقود وشفافية توزيعه، وإظهار قدرة الشركة على تحويل نتائج التحقيقات إلى تغييرات فعلية في آليات الرقابة والمساءلة.
