اسم الكاتب وصورته
صورة الكاتب محمـد العلـي

لم يعد خافياً على أحد أن خطاب الكراهية، بكل صوره، أصبح ظاهرة تفتك بالمجتمع السوري، المنقسم أساساً على أساس الولاءات الدينية والطائفية والعرقية والسياسية، ونحن في بداية العام الثاني بعد سقوط بشار الأسد، وهذا يدفعنا لطرح سؤال مهم: كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة، والوقوف على أسبابها، وحتى قمعها، لحماية وحدة المجتمع السوري والبلاد؟

لا شك أن الدور الأكبر في تفشي هذه الظاهرة تحتله مواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت رأس حربة الإعلام البديل في الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، وبات السوريون، من مختلف الأطراف السياسية، متمرسين في استخدامها، خاصة المشاهير الذين يتبعهم جمهور عريض يردد مقولاتهم أو “يطبل” لإنجازات هذا الفريق أو ذاك، رغم أن أغلب الفرقاء السياسيين السوريين مرتبطون بداعمين خارجيين، سواء إقليميين أو دوليين، إلا أن الصراع الأبرز اليوم يتمحور بين أنصار دمشق وأنصار القوات الكردية (قسد) يتهم كل منهم الآخر بالارتباط خارجيا.

ورغم أن قسد، بعد سقوط بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وقّعت اتفاق 10 آذار مع الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، لتكون شريكاً في سوريا الجديدة، ونص الاتفاق في بنده السابع على رفض “دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين مكونات الشعب السوري”، فإن وسائل إعلام قسد تخالف بنوداً أخرى تلزمها بمحاربة فلول نظام الأسد وتحقيق وحدة البلاد، ولّد هذا السلوك، وما رافقه من تملص في تنفيذ الاتفاق، خيبة أمل كبيرة في أوساط السوريين، تبعتها موجة واسعة من خطاب الكراهية، اتسمت بمنطق “الكل ضد الكل”.

وظهرت مصطلحات مسيئة عديدة، مثل “بني سمية” و“البويجية” و “بني معروك” وغيرها الكثير، في محاولة من كل طرف للنيل من الآخر، ما أدى إلى تدمير القواسم المشتركة بين مكونات المجتمع السوري المتنوع، ولم يقتصر هذا الأثر على الداخل السوري، بل امتد إلى دول اللجوء، حيث غابت طوائف وعرقيات كاملة عن احتفالات هذا العام بذكرى سقوط الأسد.

ويقابل هذا الغياب في المنافي غيابٌ مماثل في ساحات دمشق للطوائف والعرقيات ذاتها، في انقسام غذّته أحداث دامية شهدها الساحل السوري والسويداء خلال العام الماضي، بتحريك من دعاة الفدرلة وسلطات الأمر الواقع، سواء كانت دينية أو مجتمعية أو سياسية، في مناطق الأطراف السورية، ونظراً لما يسببه هذا الخطاب من ضرر جسيم، يتمثل في تمزيق المجتمع، وما ينطوي عليه من مخاطر تقسيم البلاد واندلاع حرب أهلية، كان من الواجب إصدار تشريعات واضحة تجرّم خطاب الكراهية، وتكافحه سواء في الأسواق والشوارع، أو على المنابر الإعلامية، أو على صفحات الفضاء الرقمي ومواقع الإنترنت.

وبات تشديد العقوبات في هذه المرحلة ضرورة ملحة، لتحويل كل مساهم في نشر هذه الظاهرة السلبية إلى عبرة لمن تسوّل له نفسه العبث بالمجتمع السوري، وإثارة المخاوف في المدن السورية، ما ينذر بحرب أهلية تأتي على ما تبقى من البلاد، فالتاريخ يؤكد أن خطاب الكراهية كان مقدمة لجرائم جماعية، وفق تحذيرات الأمم المتحدة. وقد قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش في حزيران/يونيو 2019:
“على مدى السنوات الـ75 الماضية، كان خطاب الكراهية بمثابة تمهيد لجرائم فظيعة، بما في ذلك الإبادة الجماعية، من رواندا إلى البوسنة إلى كمبوديا.”
ويشير خبراء حقوق الإنسان إلى أن منصات التواصل الحديثة، وسوء استخدامها، يعززان هذا الخطر عبر الوصم والتحريض العلني على العنف، المدفوع بالعنصرية والحقد.

لا شك أن خطاب الكراهية ليس وليد اليوم؛ فقد برع شعراء القبائل العربية المتناحرة قديماً في نظم قصائد الهجاء، رغم تحريم الإسلام لـ“التنابز بالألقاب” و“الذم والقدح”، وهي أفعال جرّمتها أيضاً القوانين الوضعية، إلا أن التطور التقني، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، أتاح للمتفلتين من الضوابط الدينية والأخلاقية والوطنية استغلال القصور القانوني لإنتاج فيديوهات وصور تحريضية، تستفز الأطراف الأخرى وتولد موجات متبادلة من الكراهية، قد تنعكس حتى على أرض الواقع.

لذلك، بات من الضروري جداً ملاحقة المحرّضين ومحاسبتهم بأقصى العقوبات الممكنة، لأنهم شركاء في إثارة النعرات الطائفية في البلاد، وهنا لا يُقصد تقييد حرية التعبير أو الرأي أو النقد، حتى لأعلى سلطة في الدولة، متى كان ذلك في سياقه الصحيح ولهدف نبيل.

ويُعد أخطر أنواع خطاب الكراهية ذاك الذي يصم طائفة دينية كاملة أو فئة اجتماعية بأوصاف مسيئة، عبر تعميمات غير صحيحة أو نفي الصفة الوطنية عنها بحجة العمالة للعدو، لتبرير استهدافها، وقد شاهدنا ذلك في فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، صُوّرت خلال مظاهرات في الشارع، أو نُشرت عبر وسائل إعلام سورية تصدر من عواصم أوروبية، وتدّعي الدفاع عن قضايا جريئة، بينما هي في الواقع تعيد تمهيد الأرضية لهجمات جديدة، ولو باتجاه معاكس.

كما أن الخطاب المشحون من أنصار السلطة الجديدة ضد أنصار النظام البائد وبقاياه، وما يقابله من خطاب تحريضي وتهديدات ضد العهد الجديد، يؤسس لمرحلة خطرة من المضايقات اللفظية والضغوط النفسية، تعزل الأفراد عن بيئتهم الوطنية، وتكرّس استمرار الحرب التي أعلن الرئيس أحمد الشرع نهايتها.

ويتضمن خطاب الكراهية، في معظم أشكاله، تصغيراً وازدراءً، وقد يصل إلى البذاءة واستخدام ألفاظ سوقية فاحشة وجارحة، سواء بالكتابة أو الكلام في الشارع أو على منصات التواصل، إضافة إلى نشر صور مفبركة ومسيئة، لم تسلم منها النساء من مختلف الأطراف.

وهنا يلح سؤال مشروع: أليس هذا جنوناً مدمراً للبلاد؟
والجواب أن هناك فئات هدفها تفتيت سوريا للحفاظ على مشاريعها، إذ إن تعميق الانقسام المجتمعي يسهل تجزئة البلاد، أو على الأقل طرح نماذج فدرالية على أسس عرقية أو طائفية، تحتاج إلى مقدمات من العنف وجرائم التطهير لإمكانية فرضها وتسليم سلطاتها لهؤلاء المحرضين دون شراكة.

وفي هذا السياق، لا حاجة لاستعراض آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، لأن المنخرطين في هذا الخطاب إما لا يعيرونها اهتماماً، أو يبررون أفعالهم باسم الدين أو الحقوق أو الوطنية، لكن النتيجة واحدة: خطاب الكراهية هو أكثر الأدوات فعالية في نشر الانقسام وانعدام السلام والتنمية، لأنه يقود حتماً إلى الصدام واستمرار الصراع والتوتر.

ولذلك، تضمّن قرار مجلس الأمن رقم (955)، المتعلق بتشكيل المحكمة الجنائية الدولية لرواندا بعد مذابح عام 1994، نصاً صريحاً يشدد على محاكمة المحرّضين، باعتبارهم شركاء في الجرائم والانتهاكات عبر خطاباتهم التحريضية.

ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن مكافحة هذه الظاهرة الخطرة في سوريا الجديدة؟
والجواب، حسب رأيي يمكن مواجهة خطاب الكراهية بمجموعة من الإجراءات منها:

أولاً: نشر الوعي، وعقد حوارات جادة تبتعد عن نماذج الحوارات التلفزيونية الاستعراضية وحوارات “تيك توك” التي تغذي هذه الظاهرة.
ثانياً: إصدار قوانين واضحة تجرّم خطاب الكراهية، وتحدد مصطلحاته بدقة، سواء وردت في نص أو لافتة أو فيديو أو خطاب علني، مع أثر رجعي يعود إلى بداية الثورة السورية.
ثالثاً: تغليظ العقوبات بحق من يشتم أو يذم أو يقدح أو يحرض علنا على فئة من الشعب السوري، مع ضمان محاكمة عادلة وسريعة.
رابعاً: تحميل أولياء الأمور مسؤولية أفعال أبنائهم دون السن القانونية، وتنظيم تشريع يمنع القاصرين من إنشاء حسابات على مواقع الإنترنت.
خامساً: التزام الحكومة بملاحقة المحرضين على منصات التواصل، وتعميم توجيهات واضحة على المساجد والمدارس للابتعاد عن الخطاب المدمر.
سادساً: مطالبة (قسد) بالالتزام بالبند السابع من اتفاق آذار، ومنع نشر الدعاية التحريضية الداعية إلى تقسيم البلاد، ومحاسبة أو تسليم المحرضين على خطاب الكراهية في مناطق سيطرتها.