يمكن فهم اعتراض قطاعات من عرب الحسكة على الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بمعزل عن السياق الذي قدّمت به قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الاتفاق إلى جمهورها الكردي المحتقن نتيجة سقوط مشروع «إقليم شمال شرق سوريا»، لأن المشكلة لم تكن في النصوص المعلنة بقدر ما كانت في الإيحاء السياسي المصاحب لها، ولا سيما ما فُهم على أنه إصرار ضمني على إبقاء السيطرة الأمنية والعسكرية بيد بنى قائمة لإدارة الحزب، مع تقييد حضور الدولة بعناوين «إشرافية» ومناطق «محددة مسبقًا»، ما يجعل السكان يظنون أن السلطة بالحسكة ستبقى كردية.
هل ستبقى «الإدارة الذاتية الكردية» قائمة شمال الحسكة؟! الجواب قطعا لا!
والدليل، أن دمشق تقرأ المشهد من زاوية مختلفة. فالحكومة تدرك أن محافظة الحسكة، بتركيبتها العشائرية العربية الواسعة بالجنوب والشرق والغرب المختلطة مع الكرد في الشمال، قادرة على رفد مؤسسات الدولة بعشرات الآلاف من عناصر الجيش والشرطة من أبناء المنطقة أنفسهم (عرب وكرد)، في الحسكة والقامشلي على السواء. هذه المعادلة لا تتناقض نظريًا مع ما قالته فوزة يوسف أو صالح مسلم، لكنها تتناقض عمليًا مع مقاصد الخطاب الذي سعى إلى طمأنة جمهور محدد على حساب سردية الدولة الواحدة، والإيحاء أن هذه القوات ستكون «قوات كردية».
الرهان هنا ليس لغويًا، بل عدديًّا وسياديًّا، فإذا ما تشكّلت قوى أمنية وعسكرية محلية قوامها أكثر من 30 ألف عنصر من أبناء الحسكة نصفهم من العشائر العربية، فإن «قسد» ستجد نفسها أمام واقع جديد يُعيد تعريف موازين القوة، وتجربة دير الزور، التي أظهرت قدرة المحافظة على توفير ما يقارب عشرات الآلف يرغبون بالتطوع بالجيش والقوات الأمنية، وقدمت سابقة يصعب تجاهلها، خاصة إذا علمنا أن «حزب الاتحاد الديمقراطي» حاول القضاء على أي ميليشيات عشائرية سواء كانت إلى جانب النظام أو إلى جانب الثورة السورية وحتى تلك التي كانت خاضعة لسيطرته مثل «مجلس دير الزور العسكري» بقيادة أحمد الخبيل.
تصريحات مظلوم عبدي وقيادات «الإدارة الذاتية وقسد» شددت على وقف إطلاق النار، وخصوصية «المناطق الكردية»، وبقاء الأساييش والهياكل القائمة، مع الحديث عن دمج «متدرّج» وتحت إشراف الدولة، غير أن تراكم التصريحات—من فوزة يوسف إلى آلدار خليل وإلهام أحمد—كشف محاولة واضحة لتثبيت أمر واقع سياسي وأمني، مع تحميل الاتفاق أكثر مما يحتمل نصّه الذي يشدد على «عودة مؤسسات الدولة إلى جميع المناطق» بقيادة الحكومة في دمشق، وهذا ورد في جميع الاتفاقات من 10 آذار حتى 20 كانون الثاني، لكن القادة الكرد يصرون على تفسيرها بطريقتهم.
على الضفة الأخرى، جاءت رواية وزارة الإعلام ووزارة الداخلية أكثر تحديدًا وأقل تأويلاً: جدول زمني ضمن شهر واحد، استلام مواقع سيادية (حقول النفط، مطار القامشلي، معابر حدودية) مع تعيين قيادات أمنية، ودمج فردي لا جماعي للعناصر مع استثناء المتورطين وغير السوريين، بما ينفي فكرة «الألوية المستقلة» أو المليشيات داخل الجيش، هذه الصيغة، إن نُفذت، تعني عمليًا نهاية ازدواج السلطة لا إدارتها مع ضم عشرات الآلاف من أبناء العشائر من أنصار الثورة السورية.
يبقى الاتفاق رهن التفسيرات من الطرفين، لكن فشله رغم الضغوط الدولية وبمقدمتها الأمريكية- الفرنسية، سيجعل تيار «قسد» يخسر كل شيء لصالح الحكومة السورية التي تشدد على سيادة الدولة الكاملة.
إذن حسن النية والصراعة مع الجمهور، هو أهم ما في هذا الاتفاق، فإما أن يُقرأ كخطوة نحو توحيد السيادة وإنهاء الحرب عبر الدمج القانوني والمؤسساتي، أو يُفرغ من مضمونه بتحويل «الخصوصية» إلى مظلة دائمة لاستمرار الهياكل الموازية، وبالتالي اندلاع المواجهات من جديد، وبين القراءتين، تقف الحسكة—بعربها وكردها—أمام لحظة فاصلة: الدولة بوصفها إطارًا جامعًا، أم هدنة مؤقتة تُرحّل الأزمة إلى المستقبل القريب!
