في مقابلة تلفزيونية مطوّلة، قدّم الرئيس أحمد الشرع روايته لمسار التفاهمات التي جرت مع قائد القوات الكردية (قسد) مظلوم عبدي، ولخلفيات المواجهات الأخيرة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب، حديثه لم يكن تقنياً عسكرياً فحسب، بل حمل تصوراً سياسياً أوسع لمستقبل العلاقة بين الدولة السورية والكرد، ولمفهوم الاستقرار الاقتصادي والأمني في مرحلة ما بعد الحرب.
يضع الشرع مدينة حلب في قلب هذه المعادلة. فالمدينة، بحسب تقديره، تمثل أكثر من نصف النشاط الاقتصادي السوري، وتشكل شرياناً أساسياً لأي تعافٍ اقتصادي، لذلك، يرى أن أي اضطراب أمني فيها لا يُقرأ فقط كحدث محلي، بل كعامل مؤثر في مجمل إعادة بناء الدولة، ومن هذا المنطلق، يقول إن التفاهمات الأولى مع القوات الكردية (قسد) لم تكن سياسية بحتة، بل هدفت أساساً إلى تثبيت الاستقرار ومنع تحوّل المدينة إلى ساحة صراع مفتوحة.
اللقاء مع مظلوم عبدي
يستعيد الشرع أول لقاء جمعه بعبدي بعد أسابيع قليلة من دخول القوات الحكومية إلى دمشق، في ذلك اللقاء، حاول، بحسب روايته، طمأنة الطرف الكردي بأن الحقوق السياسية والثقافية للمكوّن الكردي “مكفولة دستورياً”، وأنها لا تحتاج إلى صراع مسلح لفرضها، ويؤكد أنه رفض منذ البداية فكرة أن يمثّل ما وصفه بـ (تنظيم قسد) وحده المكوّن الكردي، معتبراً أن المجتمع الكردي متنوع سياسياً واجتماعياً، وفيه تيارات لا تنتمي إلى هذا التنظيم المسلح ولا تتبنى “نظريته”.
يقول الشرع إن النقاش دار حول ضمان المشاركة السياسية، والاندماج في مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش والبرلمان والإدارة العامة، شرط أن تكون الكفاءة معيار التعيين، لا المحاصصة، ويضيف أن الطرفين توصلا حينها إلى تفاهمات أولية هدفت إلى تجنيب حلب أي مواجهة مباشرة، غير أن هذه التفاهمات، بحسب الرئيس، اصطدمت لاحقاً بواقع ميداني معقّد.
الشيخ مقصود
حي الشيخ مقصود، الواقع على تلة تشرف على طرق حيوية ومناطق صناعية، تحوّل إلى نقطة توتر دائمة، فالحي يطل على عقد مواصلات رئيسية تربط شمال حلب بغربها، وتحيط به مناطق ذات كثافة صناعية وتجارية.
يشير الشرع إلى أن وجود قوة مسلحة داخل حي سكني كثيف السكان شكّل مصدر قلق دائم، خصوصاً مع تكرار حوادث القصف والمناوشات، وفي 1 نيسان 2025، جرى اتفاق يقضي بسحب العناصر المسلحة من الحي، مقابل بقاء عناصر أمنية محدودة تتبع لوزارة الداخلية، مع إشراك أبناء الحي في إدارة الشؤون المحلية، لكن، لم يُنفذ الاتفاق بالكامل، وعادت الاشتباكات بعد أشهر.
يؤكد الشرع أن العملية العسكرية الأخيرة لم تبدأ إلا بعد خروج أكثر من 90% من المدنيين من الحي عبر ممرات آمنة. ويقول إن القوات واجهت بنية عسكرية معقدة، من أنفاق وتحصينات إسمنتية، ووجود منشآت مدنية مستخدمة لأغراض عسكرية، وقال إن مجموعات مسلحة منعت بعض السكان من المغادرة في مراحل سابقة.
ويرى أن ما جرى لم يكن “معركة ضد المكوّن الكردي”، بل عملية “إنفاذ قانون” لمنع بقاء جيب مسلح داخل مدينة مركزية، ويعتبر أن إبقاء مئات المسلحين داخل أحياء حلب يضع ملايين السكان رهينة لحالة عدم استقرار دائمة، مشيرا إلى تلقيه اتصالات من الفرنسيين والأمريكيين لإخراج المقاتلين لكن قسد رفضت.
المسألة الكردية
في جوهر خطابه، يطرح الشرع تصوراً مختلفاً لما يسميه “حماية الحقوق الكردية”، فبرأيه، لا تتحقق هذه الحماية عبر تنظيم مسلح عابر للحدود، بل من خلال الاندماج في الدولة ومؤسساتها، وهو ينتقد ما يصفه بارتباط القوات الكردية (قسد) بحزب العمال الكردستاني (PKK)، وبمراكز قرار خارج سوريا، معتبراً أن هذا الارتباط يضع المكوّن الكردي في مواجهة إقليمية لا تخدم مصالحه.
كما يشير إلى أن المناطق التي تسيطر عليها (قسد) شرق سوريا تشكل مساحة جغرافية واسعة وغنية بالموارد، بينما يشكّل الأكراد فيها أقلية نسبية مقارنة بالمكوّنات العربية والمسيحية، ويرى أن إخراج هذه المناطق من الدورة الاقتصادية الوطنية يضعف فرص التنمية ويعمّق الانقسامات.
النفط السوري
قال الرئيس الشرع إن تعطّل استثمار موارد النفط والغاز والزراعة والطاقة في شمال شرق سوريا كلّف الدولة خسائر تُقدَّر بنحو 20 مليار دولار سنوياً، متهماً القوات الكردية (قسد) بعدم تمكين الحكومة من إدارة هذه الموارد وتشغيل المنشآت الحيوية.
وأوضح أن مناطق الجزيرة السورية تمتد على مساحة تقارب 50 ألف كيلومتر مربع وتضم الجزء الأكبر من الثروات الطبيعية والزراعية في البلاد، مشيراً إلى أن سوريا كانت قبل سنوات تحقق فائضاً في إنتاج القمح يصل إلى نحو 4 ملايين وهي تحتاج مليوني طن سنوياً، بينما باتت اليوم تعتمد على الاستيراد.
وأضاف أن إنتاج النفط في المنطقة كان يتراوح سابقاً بين 400 و600 ألف برميل يومياً، مؤكداً أن تحديث المعدات وإجراء الصيانة بدعم من استثمارات أوروبية وأميركية وإقليمية كان من شأنه رفع الإنتاج إلى مليون برميل، بما يوفّر إيرادات سنوية قد تصل إلى 20 مليار.
وبحسب الشرع تراجعت عائدات الدولة بشكل حاد خلال العامين الماضيين نتيجة توقف تشغيل العديد من الحقول والمنشآت، في وقت قال إن الإنتاج الحالي الذي تستفيد منه (قسد) يقدَّر بنحو 70 ألف برميل يومياً، ما يدرّ دخلاً يقارب ملياري دولار سنوياً، نصفه يصرف على حفر الأنفاق ونصفه إلى حزب العمال عبر الحدود العراقية.
وأشار كذلك إلى أن سوريا كانت تنتج قرابة مليون طن من القطن سنوياً بعائدات تُقدَّر بنحو 700 مليون دولار وكان انتاجها المحلي 160 مليار دولار بموازنة 16 مليار دولار، إضافة إلى إمكانات كبيرة في قطاع الطاقة الكهرومائية من سدود نهر الفرات بقدرة تصل إلى نحو 1500 ميغاواط، بما يعادل نحو مليار دولار سنوياً من الطاقة منخفضة التكلفة.
كما لفت إلى أن البلاد تضطر حالياً إلى استيراد الغاز لتأمين الكهرباء، رغم امتلاكها حقولاً قادرة انتاج 40 مليون متر مكعب في الساعة وحاجتها 20.
وأكد أن الحكومة تسعى لإعادة الإعمار من دون الاعتماد على قروض “مسيّسة”، داعياً إلى تمكين الدولة من إدارة الموارد السيادية وإعادة تشغيل قطاعات الإنتاج وهذا ينص عليه 10 آذار، معتبراً أن ذلك يخدم الاستقرار الاقتصادي والأمني في سوريا والدول المجاورة، بما فيها العراق ولبنان والأردن وتركيا ودول الخليج.
اتفاق 10 آذار
يتوقف الرئيس مطولاً عند اتفاق وُقّع في 10 آذار/مارس 2025، والذي يقول إنه حظي بموافقة سورية وأميركية وتركية، ونصّ على خطوات تدريجية لدمج القوات الكردية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة، ومنع استخدام المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة كملاذ لفلول النظام السابق. إلا أن الشرع يعتبر أن تنفيذ الاتفاق تعثّر، وأن الخطوات العملية لم تُستكمل ضمن الجدول الزمني المتفق عليه.
مع ذلك، يؤكد أن باب الحوار لا يزال مفتوحاً، وأنه مستعد لإعادة تفعيل الاتفاق إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية لدى الطرف الآخر.
لا ينكر الشرع حجم المظالم التي تعرّض لها الأكراد، كما باقي السوريين، خلال عقود حكم النظام السابق، من حرمان من الجنسية وتهميش سياسي واقتصادي. لكنه يرى أن المرحلة الحالية تشكل فرصة لبناء عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة والقانون، لا على الهويات المسلحة.
ويشدد على أن بناء الدولة يتطلب احتكار السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتحييد الانقسامات العرقية والطائفية، والانخراط في مشروع تنموي طويل الأمد. ويختم بدعوة واضحة إلى تجنّب العودة إلى العنف، مؤكداً أن السوريين، بعد أكثر من عقد من الحرب، يدركون جيداً كلفة الدم وضرورة السلام.
