عندما تغمر مياه الفيضانات المنازل في قلب مدينة الحسكة، ينطبق عليها قول الشاعر: “كالعيس في البيداء يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول”، هذا هو حال المدينة، حيث تحول سبب الحياة فيها إلى خطر داهم، فمنذ عشرات السنين كان نهر الخابور مصدر مياه الشرب لسكانها، لكنه اليوم بات مصدرا للقلق ومياهه تهدر بدل أن تُستثمر في السدين الغرب والشرقي لتشغيل محطة التصفية المصدر الأول لمياه شرب السكان.
رغم تضرر عشرات العائلات في أحياء المدنية لم نشهد دور فعال لفرق الإنقاذ أو الدفاع المدني، التي ظهرت بشكل خجول في بلدة تل حميس، حيث تضرر 400 منزل في تلك الناحية الخاضعة بشكل مباشر تحت سيطرة الحكومة، أما داخل مركز المحافظة فازدواج السلطات يربك تنظيم عمليات الإنقاذ والإغاثة المقتصرة على فرق الهلال الأحمر السوري، وربما انشغال فرق الدفاع المدني بالاستجابة للمحافظات الأخرى في الشمال الغربي ساهم في هذه الاستجابة الضعيفة، دون الانتباه أن استمرار الأمطار لأسابيع يمكن أني يؤدي إلى انهيار المنازل الطينية حتى البعيدة عن مجاري السيول وفيضانات الأنهار.
من المهم إدراك، أن مجرى نهر الخابور الطبيعي يفصل أحياء النشوة والليلية وغويران على ضفته اليمنى بجنوب المدينة عن بقية الأحياء (المطار والمرديان والعسكري والمساكن) بمركز المدينة والتي تقع إلى جانب الكلاسة والناصرة وتل حجر ومشيرفة بين مجرى الخابور جنوبا ومجرى “جقجق”، الذي يعزل الأحياء الشرقية (العزيزية والصالحية والضاحية وخشمان)، أي أن المدينة هي نقطة التقاء النهرين، وبسبب سنوات الجفاف أخذ السكان يشرعون في بناء المساكن صفافهما، وهذا من سوء تنظيم الحكومات والسلطات الموجود، التي لا تكترث لتطوي أو البحث عن حلول، وإلّا لخزنت مياه الفيضانات الشتوية لتنظيم استمرار جريان النهرين وجعلهما مصدرا لجمال المدينة بدل أن يكونا مكبا للقمامة ومصدرا للروائح الكريهة، إضافة لحماية الأحياء من خطر الفيضانات الموسمية.
على عكس ذلك، تتجاهل السلطات الحديث عن المصدر الرئيسي لمياه شرب المدينة، حتى أن المحافظ بلقاءه الأخير مع الرئيس أحمد الشرع تحدث عن أهمية مشروع جر مياه نهر دجلة وعن تفعيل محطة علوك (الحل الإسعافي) وتجاهل تماما مشاريع عملت عليها منذ 1993مياه الحسكة مثل محطة التصفية قرب سد الحسكة الشرقي، ومضخة الصور لجر مياه الفرات من دير الزور للريف الجنوبي.
زيادة على ذلك، بعض التصاميم والسواتر على الجسور داخل المدينة أدى إلى إعاقة تدفق المياه وغيّر سلوكها لتجتاح شوارع الأحياء خاصة مع هطول أمطار استثنائية تراوحت بين 40 إلى 80 ملم متر بالمناطق الشمالية للمحافظة، أدت إلى جريان الخابور وروافده بغزارة قدرت بنحو 200 متر مكعب بالثانية.
بات من نافل القول: أن الحسكة تواجه منذ سنوات أزمة في توفير مياه الشرب حتى أمست حصت الفرد أقل من 100 لتر يوميا مقابل نحو 380 لترًا يوميًا في تسعينيات القرن الماضي، الفارق جاء بسبب سوء الإدارة مع شح الموارد وفشل ذريع في وضع خطط تؤمن استمرارية وصول مياه الشرب، أحيانا يحاول بعض المسؤولين التغاضي عن العودة إلى المصدر الأساسي لمياه شرب الحسكة، سواء بهدف استخدام محطات المياه بحرب كلامية أو سياسية، كما يحصل بالنسبة لمحطة علوك، رغم أنها تعمل غالبا بأقل من نصف طاقتها الكاملة البالغة 70 ألف متر مكعب، ودائما يجري تكرار مقولة: “إنها تروي مليون إنسان في الحسكة”، وعلى هذا الأساس فهي تحتاج 100,000 متر مكعب يوميًا على الأقل.
تجربة مؤسسة المياه في مراحل سابقة تقدّم مثالًا واضحًا، أنها عملت على مشاريع جرّ المياه من السدود، ربط القرى بشبكات إرواء، إدخال أنظمة حديثة للمعالجة والتعقيم، وتوسيع البنية التحتية لتصل إلى مناطق كانت خارج الخدمة، لم تكن الظروف أسهل بالضرورة، لكن كان هناك تركيز على مركز المحافظة، وهذا أضر بالبيئة في منطقة الينابيع في رأس العين بسبب الاستجرار الكبير للمياه بشكل قسري.
ورغم سلبيات المرحلة السابقة، الوضع اليوم أسوأ بكثير، فالمياه لا تُخزّن، والسدود لا تعمل بكفاءة، قنوات ري غير مستثمرة، ومحطات منهوبة والضخ متوقف من سدة الخابور عند جسر الدويرة قرب رأس العين لأن العنفات تحتاج لمحرك كهربائي، إلى جانب توقف محطة السفح عن الضخ من نهر الجرجب إلى قناة الري الواصلة إلى السد الشرقي (64 كم)، وفي المقابل، أحياء داخل المدينة تتوسع داخل مجاري الأنهار المهملة.
اليوم تحتاج الحسكة، كحلول اسعافية، ونتمنى ألّا تتحول مثل “محطة علوك” حلول دائمة، هي إخلاء السكان قبيل وصول الفيضان عبر تفعيل الإنذار المبكر، رفع سواتر ترابية لمنع دخول المياه الى الشوارع، وفتح مجاري الأنهار وتنظيفها من القمامة وآثار السيول.
في الأسبوعين الماضيين لم تتخذ التدابير الاحترزية رغم أن السيول القادمة من تركيا، من رأس العين، من جبل عبد العزيز، ومن روافد الخابور في القامشلي تحتاج ليوم كامل على الأقل للوصول إلى مركز المحافظة.
ومن الضروري تحويل المياه من تهديد إلى مورد عبر إعادة تشغيل السدّات على الخابور ومحطات الضخ من الجرجب، وإزالة العوائق من مجرى النهر داخل الحسكة، وتوجيه الفائض نحو التخزين في السد الجنوبي لضمان جريان يخدم عمليات ري الحقول بالشدادي ودير الزور بدل تركه يخرب بالمدن ويتلف محاصيل المزارعين.
