✍ بقلم
فريق تحرير دجلة
◆

في الوقت الذي تنتظر فيه الكفاءات الهندسية بصيص أمل يخفف عنها أعباء الحياة القاسية، تأتي إجراءات التوظيف الحكومية لتزيد معاناتها وتعمّق شعورها بالتهميش. فقد خضع مهندسون متقدمون لشغل وظائف في مديرية التربية والتعليم بالحسكة لاختبارات كتابية وشفوية، أثارت أسئلتها، بحسب متقدمين، استياءً واسعاً، بعدما تناولت موضوعات وصفوها بأنها بالغة التعقيد، وبعيدة عن الواقع العملي لخريجين لم تتح لهم فرصة العمل داخل المؤسسات العامة.

التربية في إعلانها الأخير، قالت إن ٦٦ متسابقاً يتقدمون للمقابلات الشفهية في مسابقة الاختصاصات الطبية والهندسية بالحسكة، وأن الهدف استكمال إجراءات المسابقة وتقييم المرشحين، تمهيداً لاختيار الكفاءات المؤهلة وفق المعايير المعتمدة، بما يسهم في رفد المؤسسات بالخبرات والاختصاصات المطلوبة.

وتضمنت الاختبارات، وفق إفادات متقدمين، أسئلة تفصيلية تتعلق بالتشريعات الإدارية، والعقود الحكومية بين الجهات العامة والمقاولين، وجداول الكميات، ودفاتر الشروط الفنية، والكشوف التقديرية والنهائية، وصولاً إلى المستخلصات ومواصفات تنفيذ الأعمال، وهنا تبرز المفارقة: كيف يُطالَب مهندس حديث التخرج بالإلمام بتفاصيل إجرائية وفنية لا يكتسب جانب كبير منها إلا بالممارسة العملية والخبرة داخل المؤسسات؟

إن إخضاع خريجين يبحثون عن فرصة عمل تسد جزءاً من احتياجاتهم المعيشية لاختبارات تتجاوز، بحسب وصفهم، طبيعة الوظيفة ومستوى الخبرة المتوقع من الموظف الجديد، يعكس فجوة تستحق المراجعة في سياسات اختيار الكوادر الشابة. فالشهادة الجامعية لم تأتِ من فراغ؛ بل هي ثمرة سنوات من السهر والتعب، وما رافقها من أعباء الإيجارات وتكاليف المعيشة والغربة.

رغم نقص الكوادر في المشافي وضعف البنى التحتية إعلان عن مسابقة يوحي بوجود فائض من الشهادات الطبية والهندسية، إذا سلمنا بذلك، فعبر المسابقات الصعبة تمسي الشهادة عائقا بدلاً من أن تكون مدخلاً لخدمة الوطن وإثبات الذات، لأن أصحابها يجدون أنفسهم أمام لجان امتحانية لا تعكس أسئلتها حجم المعاناة التي يعيشها مهندسو الحسكة في محافظة أنهكتها سنوات الحرب والحرمان.

ولا يسع المهندسين الشباب، وهم يواجهون هذه الإجراءات، إلا التساؤل عن معايير العدالة وتكافؤ الفرص. فبينما يُفترض أن تقوم المنافسة على معايير واضحة تتناسب مع متطلبات الوظيفة، يشعر بعض المتقدمين بأنهم يواجهون شروطاً مرهقة لا تُطبّق بالضرورة بالطريقة نفسها على سائر فرص التوظيف. ويستحضر كثيرون في هذا السياق نظام الفرز المركزي الذي كان يوزع المهندسين الخريجين على الوزارات والجهات العامة وفق آليات ومعايير محددة، قبل أن تتجه الحكومة إلى اعتماد نظام الإعلان عن الشواغر بحسب الاحتياجات الفعلية لكل جهة.

إن غياب آليات يشعر المتقدمون بأنها واضحة وعادلة، أو عدم إتاحة تفاصيل كافية عن معايير الاختيار والتقييم، يعمّق الإحساس بالغبن والتهميش لدى خريجين يتطلعون إلى فرصة حقيقية للمشاركة في بناء وطنهم.

فالوظيفة العامة في المجال الهندسي لا تتطلب من الموظف الجديد أن يكون صانعاً للقنبلة الذرية منذ يومه الأول. العمل الهندسي بطبيعته تشاركي وتكاملي، يجمع بين المهندس الشاب الذي يمتلك المعرفة الأكاديمية والرأي المتخصص، والمهندس المبتدئ الذي يحتاج إلى اكتساب الخبرة، وأصحاب التجربة الطويلة الذين أمضوا سنوات في الميدان. وهذه البيئة المهنية المتنوعة كفيلة بصقل الكفاءات الجديدة وتطوير مهاراتها تدريجياً داخل فريق العمل، شرط توافر الإرادة الحقيقية لاستيعاب الكفاءات الشابة ومواجهة البطالة الهندسية واستثمار الطاقات المعطلة.

إن العلم والدراسة والشهادات الجامعية ليست شعارات براقة، بل استثمار في مستقبل الوطن والإنسان. وعندما يجد الخريج أن تحصيله العلمي لا يفتح أمامه الطريق إلى فرصة عمل تتناسب مع اختصاصه، يصبح التساؤل مشروعاً: إلى أين نتجه؟

نضع هذه الصرخة، النابعة من قلوب متعبة وموجوعة، أمام المعنيين في الحكومة، التي تقع على عاتقها مسؤولية إنصاف أبناء الحسكة وسائر المحافظات المتضررة. فالحل لا يكمن في تعقيد الاختبارات أو وضع الخريجين أمام متطلبات تفوق طبيعة الوظائف المعلن عنها، بل في ضمان تكافؤ الفرص، ووضوح معايير الاختيار، وتصميم اختبارات تقيس الكفاءة المطلوبة فعلاً، إلى جانب توفير فرص التدريب والتأهيل للمهندسين حديثي التخرج.

أنصفوا الكفاءات الشابة، قبل أن يفقد جيل كامل إيمانه بجدوى العلم والكتاب.