تشهد أرياف محافظة الحسكة، ولا سيما قرى منطقة رأس العين، هذه الأيام نشاطاً ملحوظاً في بيع ما يُعرف محلياً بـ“النَّضَد”، أي الفرش والأغطية المنزلية المحشوة بالقطن أو الصوف، في ظاهرة تعكس تحوّلات ثقافية ومعيشية لدى السكان، وتكشف عن تغيّر تدريجي في أنماط الاستهلاك والعادات الاجتماعية بالمحافظة.
وحسب مصادر أهلية، يعمد تجار إلى شراء اللحف والدواشك والمخدات المستعملة بأسعار تتراوح بين ألفين إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية لكل كلغ من القطن، وذلك وفق حالة اللحاف أو الدوشك، وغالباً من دون فتح الغطاء أو تفريغ الحشوة الداخلية.
تُقدَّر الأوزان التقريبية للحاف بين 5 و6 كيلوغرامات، والدوشك (الفراش) نحو 12 كيلوغراماً، والمخدة نحو 4 كيلوغرامات.
أما الصوف، فيتراوح سعر الكيلوغرام الواحد بين 5 آلاف و7 آلاف ليرة سورية.

أسباب التخلي عن النضد
تقول النساء إن قرار بيع الفرش الصوفية أو المحشوة بالقطن يعود إلى عدم استخدامها، ما يجعلها فعلياً متروكة للعث، خاصة في البيوت الطينية، إضافة إلى ذلك، يمكن الاستفادة من ثمنها لشراء الإسفنج والبطانيات، أو حتى التحول لما يُعرف بـ“المد الخليجي”، واستخدام قماش الوجه الخارجي لأغراض أخرى.
وتشير هذه الظاهرة إلى أن السكان شرعوا بالتوجه نحو استخدام الاسفنج خلال السنوات الماضية ما جعل هذه الفرش دون استخدام منذ وقت طويل، ولم تعد النساء وزنا لرأي الآخرين بكونها تملك “عفشا” محترما أو ما يسمى محلية بـ “القش” مع لفظ القاف جيما مصرية وتعني أثاث المنزل.
وأشارت النساء إلى أن عمليات الغسيل والتنظيف السنوية للكم الكبير من الفرش مرهقة للغاية دون فائدة، ففي السابق كان فرش الدوشك الجيد جزء من اكرام الضيف، أما اليوم لم يعد من العيب أن يفرش للضيف الإسفنج لأنه مريح أيضا وأكثر عملية وسهولة.
تُعدّ “النَّضَد” أو “النَّضيدة” من الموروثات الاجتماعية الراسخة في محافظات الجزيرة السورية، حيث اعتادت الأسر على اقتناء عدد كبير من الفرش والأغطية المنزلية، استعداداً لاستقبال الضيوف في أي وقت، سواء بشكل مفاجئ أو خلال مناسبات الأفراح والتجمعات العائلية.
ارتباط بتقاليد الزواج
ويتكوّن “النَّضَد” تقليدياً من اللحف والدواشك (فراش النوم) والمخدات، المصنوعة في معظمها من الصوف أو القطن، قبل أن تُضاف إليها لاحقاً السجاد و(التكايات)، وهي وسائد تُستخدم للاتكاء وتُرتّب بمحاذاة الجدران. وغالباً ما كانت هذه المقتنيات تُحفظ في غرفة خاصة تُعرف باسم “دار النَّضَد”، وهي مساحة مخصّصة لتخزين الفرش وتجهيزها للاستخدام عند الحاجة.
وحظيت هذه الغرفة ومحتوياتها باهتمام خاص لدى النساء، إذ شكّلت مجالاً للتفاخر الاجتماعي من حيث عدد الفرش وجودتها، مثل حجم اللحاف وسماكة الدوشك، كما لعبت دوراً عملياً، حيث تُستخدم كغرفة نوم أو اجتماع للفتيات عند امتلاء المنزل بالضيوف.
وكانت صناعة الفرش جزءاً أساسياً من تجهيز العروس، إذ تُشترى عادة من المهر، وتُشارك النساء في إعدادها قبل أيام قليلة من الزفاف، في تقليد جماعي يعكس روح التعاون الاجتماعي. ومع مرور الوقت، تطوّرت هذه التجهيزات لتشمل مواد حديثة مثل البطانيات الإسفنجية وبعض الأدوات الكهربائية.
كما درجت نساء المنطقة على تخصيص يوم سنوي لإعادة تنظيف الفرش، يُعرف باسم “فلّ النَّضَد”، من خلال فتحها وغسلها بمياه الأنهار أو الآبار وإعادة حشوها، في ممارسة دورية للحفاظ على جودتها وطول عمرها.
في هذا التحوّل الهادئ إلى بيع “النَّضَد” انعكاس لتبدّل عميق في علاقة السكان مع مقتنياتهم اليومية، وخاصة النساء بأثاث المنزل، حيث تتراجع الوظيفة الاجتماعية للفرش التقليدية لصالح الأدوات والفرش الأكثر عملية وسهولة استخدام، فالتخلي اليوم عن “دار النَّضَد” هو مظهر لانتقال تدريجي من ثقافة الادخار والتفاخر إلى ثقافة التخفّف والتكيّف مع الواقع متغيّر في حياة سكان الريف.
