الجزيرة الفراتية التي كانت سابقا ساحة لصراعات امبراطوريات الفرس والروم ثم ساحة للمواجهة مع جيوش الفتح الإسلامي وبعدها المواجهات الداخلية على الخلافة حتى ظهور الخطر المغولي الذي وصل إليها قبل عقود من انكساره في معركة عين جالوت سنة 1260م.

ونرى من الواجب تسليط الضوء على أهم مدن الجزيرة الفراتية التي واجهت المغول لسنوات، مثل “ميافارقين” وغيرها، التي دفعت أثمان باهظة جراء ذلك الصمود، الذي فاق صمود مدن كبيرة مثل بغداد وحلب ودمشق

الكلمات المفتاحية:

  • الجزيرة: نقصد فيها الجزيرة الفراتية المقسمة حاليا في 3 دول هي تركيا وسوريا والعراق، الممتدة من الموصل بالعراق شرقا حتى الرقة والبيرة (بيرجيك) غربا وقرقيسيا (البصيرة) جنوبا حتى ديار بكر شمالا..
  • الخابور: المنطقة الواقعة على جانبي نهر الخابور من رأس العين شمال الحسكة حتى قرقيسيا (البصيرة) على الفرات بدير الزور.
  • شرق الفرات: نقصد بها الجزيرة المحصورة بين الفرات ودجلة.
  • غرب الفرات: نقصد به الضفة الشامية وحلب
  • المغول: نقصد بها المغول والتتر والجيوش التي تحالفت معهم في غزو العراق وسوريا.

الاجتياح المغولي الجزيرة

تعرضت الجزيرة الفراتية بوقت مبكر  لهجمات المغول المدمرة وقد اجتمع على المسلمين في هذه الفترة الخطر المغولي القادم من الشرق، والخطر الصليبي القادم من الشمال، وسط انشقاق البيت الأيوبي على نفسه عقب وفاة “صلاح الدين الأيوبي” بسبب الصراع على السلطة.

 لم يستطع الخليفة المستنصر بالله  أن يفعل شيئا وبعد وفاة الخليفة  فى (جمادى الآخرة سنة ٦٤٠هـ = تشرين الثاني سنة ١٢٤٢م  تمت البيعة لابنه “أبى أحمد عبدالله” الملقب بالمستعصم بالله، وهو آخر الخلفاء العباسيين في “العراق”، وكان عمره حينئذٍ ثلاثين عامًا، قتله المغول عام 1258 خلال الهجوم على بغداد بعد ذلك ثم استولوا على الرقة.

رفض ملوك الجزيرة طلبا مغوليا بدفع مبالغ مالية كجزية، فهاجم المغول 1253م /650هـ فنهبوا ديار بكر وميافارقين ورأس العين وسروج وقتلوا نحو 20 ألف شخص. (قداوي، 2015م)

وفي شهر رمضان سنة ٦٥٧ ه ( ١٢٥٩م) تحرك الجيش المغولي الكبير من أذربيجان فوصل إلى بحيرة وان (اخلاط) (إقبال، 2000م)، وكان يقود الطلائع القائد المغولي كيتو بوقا ، وكان  بايجو و سنقر يقودان الجناح الأيمن.

 أما الجناح الأيسر فكان يقوده سونجاق،  وأخيراً القلب ، وكان يقوده هو لا گو نفسه . كما أرسل ابنه يشموت مع سونتاي نويان لمحاصرة ميافارقين ، وعهد إلى حليفه الملك الصالح بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل  بفتح آمد (ديار بكر) .

وقد ابتدأت الحملة بغارة محلية ضد إمارة ميافارقين الواقعة تحت سيطرة أحد الأمراء الأيوبيين المسمى الملك الكامل، محمد بن الملك المظفر بن العادل أبي بكر بن أيوب، بحجة أنه صلب قسيساً مسيحياً يعقوبياً قدم بلاده  وكان يحمل جواز مرور مغولي،  فعهد هولا گو إلى الأمراء يشموت وايلكانويان وسونتاي بالاستيلاء على ميافارقين .

حاصر المغول ميافارقين، واشتركت معهم فرق أرمينية مسيحية  لمدة عامين أظهر خلالهما المدافعون عن المدينة ضروباً من الشجاعة المنقطعة النظير وأنزلوا أفدح الخسائر بالجيش المغولي، لكن لقلة المؤن أمسى الناس يأكل بعضهم بعضاً ، حتى هلك أكثر سكان المدينة ولما تأكد الملك الكامل أن المقاومة أصبحت عديمة الجدوى استسلم للمغول . فقتلوه شر قتلة (الصياد، 1980م).

واستولى التتر ٦٥٨ على ميافارقين وحملوا رأس صاحبها الكامل محمد بن المظفر ابن العادل أبي بكر بن أيوب على رمح إلى دمشق.

ولما تم للمغول فتح ميافارقين، تقدموا نحو ماردين ، وكانت في قبضة الملك السعيد الذي قاوم الحصار 8 أشهر حتى بعد سقوط حلب، لكن ابنه بعد وفاته  اتفق مع المغول فنصبوه واليا.

وقد صلت قوات المغول بقيادة هولاكو نفسه ونزلت إلى ماردين في مطلع جمادي الأولى سنة ٦٥٨ هـ / ١٢٦٠م ، ولم يعلن هولاكو القتال، فلما كان عصر اليوم الثاني والعشرين من جمادي الأولى من السنة نفسها ، تسلق المغول أسوار البلد ، ودقوا الطبول وجردوا السيوف وهاجموا البلد.

قاتلهم المسلمون في الأزقة والشوارع والمنعطفات ، ودام القتال ثلاثة وستين يوماً إلى أن فتح لهم بعض مقدمي البلد ثغرة فسيطروا عليها ، ودخلوا منها إلى الجامع وصعدوا المنائر وأخذوا يرمون منها بالنشاب ، فانسحب أكثر أهل البلد إلى القلعة وتم للمغول الاستيلاء على البلد . ومن ثم بدأوا مهاجمة القلعة ونصبوا عليها ست منجنيقات فلم يصل منها إلى القلعة سوى ثلاثة أحجار ، واستمر الحصار إلى أن انقضت سنة ٦٥٨ هـ / ١٢٥٩م ودخلت سنة ٦٥٩ هـ / ١٢٦٠ م.

 وفي تلك الأثناء توفى الملك السعيد ، بسبب وباء انتشر بين سكان القلعة فهلك معظمهم، فاتفق ابنه المظفر مع هولاكو الذي أصدر أوامره إلى قواده بالجلاء عن ماردين وذلك في رجب من سنة ٦٥٩هـ / ١٢٦١ م ، وخلال زيارة للمظفر إلى للقاء هولاكو مع مجموعة من أصحاب الملك السعيد طلب منه الابتعاد عن الحرس القديم  ثم عين بدلا عنهم أميراً يدعى ( أحمد بغا ) إلى جانب المظفر وأعادهما إلى ماردين ، بعد أن أضاف إلى الملك المظفر نصيبين والخابور ومنطقة لا يستهان بها من ديار بكر.

كما ألحق بإمارته بعض المدن التي سيطر عليها المغول في الجزيرة كقرقيسيا حيث ابقى فيها المغول قوة لحفظ المعابر وأمره  بهدم أبراج قلعة ماردين. وما أن غادر الملك المظفر معسكر هولاكو حتى أقدم الأخير على قتل 70 أميرا من أصحاب الملك السعيد (الغامدي، 1986 م).

 وكان المغول و التتر يتقدمون في  الجزيرة وسيطروا على نصيبين  و حران وملكها واستولى على الديار الجزرية كلها  (علي، 1983م)، ويقال أن حرّان تسلمها بالأمان وكذلك الرها ولم يدن لأحد فيهما سوء. واما أهل سروج فإنهم أهملوا أمر المغول فقتلوا عن أقصاهم (العبري، 1992م).

وتقدم هولاكو فنصب جسرا على الفرات قريبا من مدينة ملطية وآخر عند قلعة الروم وآخر عند قرقيسياء وعبرت العساكر جملتها وقتلوا عند منبج مقتلة عظيمة.


وسار التتر والمغول في سنة ٦٩٩ بقيادة غازان بن أرغون خان بن هولاكو بن تولي بن جنكيز خان، وعبروا  الفرات ووصل بجموعه إلى حلب (علي، 1983م)

وفي 1262م هاجم  المماليك بغارة قادها علاء الدين الوزيري وعيسى بن مهنا شيخ الفضل على حران، ثم غارة أخرى على رأس العين عام 1274 م فهزم جنود المغول فيها وفروا إلى دنيسر قرب ماردين.

أهمية الجزيرة الفراتية


منطقة الجزيرة الفراتية رغم عدم التركيز عليها بكتب التاريخ كان لها أهمية كبيرة في الحروب المغولية بالنسبة للعراق والشام ولاقت أضعاف ما لاقت الحواضر الكبيرة مثل بغداد والشام وحلب، بسبب تعرضها لمعارك كثيرة منها استطلاعية سبقت الهجوم الرئيسي بأكثر من عقد خلال القرنين الثالث عشر  ثم الرابع عشر.

وتتلخص أهمية الجزيرة الفراتية في هذه الحروب في النقاط التالية:

  • الموقع الاستراتيجي: تقع الجزيرة الفراتية على طول نهر الفرات وتمتد من العراق وصولاً إلى سوريا وتركيا وإيران. كانت تلك المنطقة ممرًا حيويًا وممتازًا للغاية للجيوش المغولية لغرض التوغل في العراق والشام والسيطرة عليهما.
  •  الثروات والموارد: تحتوي الجزيرة الفراتية على ثروات طبيعية هامة مثل المياه والأراضي الزراعية الخصبة. كانت هذه الموارد ذات أهمية كبيرة للمغول في تأمين الإمدادات الغذائية والموارد الاقتصادية أثناء الحملات العسكري، فكان الصلح مع ماردين على هذا الأساس واتباع المماليك سياسة حرق المحاصيل في ديار بكر لحرمان المغول منها.
  • القواعد العسكرية: بناءً على أهمية الموقع الاستراتيجي، أقام الجيش المغولي قواعد عسكرية وحصونًا في الجزيرة الفراتية، هذه القواعد ساعدت في تنظيم الحملات العسكرية وتأمين التموين والدعم اللازم للجيش ونقاط مراقبة مثل قرقيسياء والبيرة والرقة.

بشكل عام، يمكن القول إن الجزيرة الفراتية كانت منطقة استراتيجية في الحروب المغولية، حيث تم استخدامها كممرٍ رئيسي للاستيلاء على العراق وحلب والشام، ولتأثيرها الاقتصادي والسياسي على المنطقة بشكل عام.

  • المصادر
  • أحمد حسن الزيات. (1933م). مصر والعالمفي القرن الثالث عشر الميلادي. مجلة الرسالة، 796.
  • أحمد عبد الكريم سليمان. (1984م). المغول والمماليك…حتى نهاية عصر الظاهر بيبرس. القاهرة: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع.
  • أحمد معمور العسيري. (1996م). موجز التاريخ الإسلامي منذ عهد آدم عليه السلام (تاريخ ما قبل الإسلام) إلى عصرنا الحاضر. الرياض.
  • راغب السرجاني. (بلا تاريخ). التتار من البداية إلى عين جالوت.
  • عباس إقبال. (2000م). تاريخ المغول منذ حملة جنكيز خان حتى قيام الدولة التيمورية. (عبد الوهاب علوب، المترجمون) أبو ضبي: المجمع الثقافي.
  • عبد الله سعيد الغامدي. (1986 م). جهاد المماليك ضد المغول والصليبين في بلاد الشام في النصف الثاني من القرن السابع الهجري. السعودية: جامعة أم القرى .
  • علاء محمود قداوي. (2015م). الموصل والجزيرة الفراتية في عهد دولة المغول الإيليخانية. دار غيداء للنشر والتوزيع.
  • غريغوريوس ابن العبري. (1992م). تاريخ مختصر الدول. بيروت: دار الشرق.
  • فؤاد عبد المعطي الصياد. (1980م). المغول في التاريخ. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر.
  • مازن بن محمد بن عيسى. (2016م). آراء الإمام أبي المظفر السمعاني العقدية. الخرطوم: جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان.
  • محمد الطنطاوي. (2005م). نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة. مكتبة إحياء التراث الإسلامي.
  • محمد كرد علي. (1983م). خطط الشام. دمشق: مكتبة النوري.
  • يوسف العاصي إبراهيم الطويل. (2010م). الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم (الجذور – الممارسة – سبل المواجهة). مصر: صوت القلم العربي.