لم تفكر إخلاص أن نهاية سبع سنوات ونصف في زنازين الأسد ستكون بداية أحكام مجتمعية لا تقل وطأة على نفسها من السجن وعذاباته، أحدها أن تبدأ حياتها من جديد، بلا سقف يؤويها في وطنها الذي ضحت لأجله بكل شيء.
تقول إخلاص، وهي معتقلة سابقة عاشت سنوات الحرب والحصار في حلب، إن الأجهزة الأمنية اعتقلتها بعد خروجها من المناطق المحاصرة، وإنها تعرضت خلال التحقيق للضرب والإهانة والتهديد، قبل أن تُحاكم بتهم متصلة بـ”الإرهاب” ويصدر بحقها حكم بالإعدام ثلاث مرات، خُفف لاحقاً إلى المؤبد ثم إلى عشر سنوات. وتروي تفاصيل تلك السنوات في شهادة مصورة نشرتها “زمان الوصل” تعكس تجربة تتقاطع مع مصائر عدد كبير من السوريات.
ولا تملك الجهات الحقوقية رقماً شاملاً لعدد السوريات اللواتي خرجن من سجون النظام السابق بعد سقوطه في كانون الأول 2024، لكن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقول إنها وثقت الإفراج عن 24,394 شخصاً من مراكز احتجاز النظام السابق خلال عام 2024، بينهم 1,742 امرأة، فيما أُفرج عن نحو 24,200 معتقل بصورة جماعية بعد فتح السجون ومراكز الاحتجاز خلال انهيار النظام، من دون أن تفصل البيانات المنشورة عدد النساء بين هؤلاء.
إخلاص، كانت أمّاً لخمسة أبناء، ثلاثة شبان وابنتين، بعد اختفاء زوجها في مطلع الحرب، ثم إبلاغها لاحقاً بوفاته من دون تفاصيل، قامت بدور الأب والأم معاً، عملت وربّت أبناءها وزوّجت ابنتيها، بينما التحق ابنها الأكبر بصفوف الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد.
عاشت إخلاص حصارين متتاليين في حلب، قبل أن تخرج مع آخرين على متن حافلات إلى ريف حلب الغربي (2016)، حيث أقامت نحو خمسة أشهر، تقول إنها ساعدت خلال تلك الفترة في تقديم خدمات بسيطة لنساء وعائلات معتقلين وقتلى، في وقت كان يصعب فيه على الرجال الوصول إلى بعض المناطق، وإنها أسست لهذا الغرض ما تصفه بـ”رابطة نساء سوريا الحرة” لدعم زوجات الشهداء وأبنائهم.
الاعتقال
كانت في طريقها إلى حلب لزيارة والدتها المريضة حين أوقفها عناصر على أحد الحواجز واعتُقلت، رغم محاولة سائق الحافلة الدفاع عنها، واقتيدت إلى شرطة الكراج ثم إلى الأمن الجنائي.
هناك، بحسب روايتها، بدأ التحقيق بالضرب قبل توجيه أي سؤال، تقول إن المحققين اتهموها بالقتل والتفجير والتحريض على الثورة ضد النظام، وسألوها عن أماكن وجود أبنائها، ومع تكرار الضرب فقدت قدرتها على التركيز وبدأت ذاكرتها، على حد وصفها، “تتشوش”.
وفي إحدى مراحل التحقيق، تقول إن أحد العناصر هددها بإيذاء ابنتها، التي كانت تعاني الربو المزمن وتحتاج بخاخاً للتنفس، لإجبارها على الاعتراف، بعدما وُضعت الابنة في زنزانة وأُبلغت إخلاص بأنها “تختنق” وأن عليها الاعتراف لإنقاذها.
تروي أيضاً أنها تعرضت للضرب على بطنها بحذاء عسكري خلال إحدى الجلسات، فشعرت بألم حاد ظنّت معه أنها تعاني نزيفاً داخلياً، ونُقلت لاحقاً إلى المستشفى لتلقي العلاج. كما تتحدث عن تعذيب نفسي وجسدي شمل تقييدها وتعليقها لفترة من الزمن، وعن حادثة استخدم فيها أحد المحققين جرذاً لتخويفها ودفعها إلى الاعتراف، تقول إخلاص إن ما تعرضت له من البشر جعلها أقل خوفاً من ذلك الحيوان منها من المحققين أنفسهم
من التحقيق إلى المحكمة
بعد أسابيع، نُقلت إخلاص مع والدتها وابنتيها إلى سجن حلب المركزي، كانت والدتها في الخامسة والستين ومريضة، وإحدى ابنتيها تعاني الربو، العائلة بأكملها عانت داخل السجن من نقص الطعام والرعاية وسوء المعاملة.
أُطلق سراح ابنتها الصغرى لأنها كانت قاصراً، بينما بقيت إخلاص ووالدتها وابنتها الكبرى رهن الاحتجاز. حُكم على الابنة الكبرى بالسجن ثلاث سنوات قبل أن تُبرَّأ لعدم كفاية الأدلة، أما إخلاص ووالدتها، فتقول إن محكمة الإرهاب أصدرت بحقهما حكماً بالإعدام بتهم القتل العمد و”الإرهاب”، تكرر ثلاث مرات قبل أن يُخفف تدريجياً إلى المؤبد ثم إلى عشر سنوات، بعد تدخل اللجنة الدولية للصليب الأحمر الذي تقول إنه ساعد في تحريك ملفها عقب تدهور وضعها الصحي.
بعد سبع سنوات ونصف، خرجت إخلاص من السجن. لكن الحرية لم تكن كما تخيلتها.
ما بعد الإفراج
خرجت إخلاص، كما تقول، وهي تحمل وصمة “الإرهاب” في نظر بعض أقاربها ومحيطها، تفرّق عنها عدد منهم، واضطرت للتنقل بين بيوت أبنائها وإخوتها ومعارفها للعيش فترة عصيبة من حياتها، إلى أن تراجعت قدرتها على تحمل هذا النمط من الحياة، فراحت تبحث عن مكان تسكنه ولا يُطلب أحد منها مغادرته.
وجدت في النهاية بيتاً مهجورا بجدران سوداء وباب مفقود ومساحة مفتوحة على الشارع، ساعدها المختار وبعض أهل الخير في إزالة الأنقاض وطلاء الجدران، فصار ذلك المكان مأواها حتى اليوم، ولا تريد خسارته، لكن الإسكان تطالبها بإخلاء البيت.
وفق أحدث بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا تزال 10,257 امرأة في عداد المعتقلات أو المختفيات قسراً في سوريا، بينهن 8,501 كنّ في مراكز احتجاز تابعة لحكومة بشار الأسد السابقة و1,756 لدى أطراف أخرى في النزاع، بحسب بيانات نُشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وفي تقرير منفصل، وثّقت الشبكة اختفاء 8,984 امرأة قسراً منذ آذار/مارس 2011.
أما عن تجربة من خرجن من المعتقل، فتشير دراسة أجرتها منظمة Synergy for Justice عام 2021 وشملت 80 معتقلة وفتاة سورية سابق ة إلى أن 81 في المئة منهن أفدن بأنهن شهدن التعذيب، فيما قال نحو ثلثهن إنهن شهدن شخصاً يموت أو يقتل، ولا تمثل هذه الدراسة عينة إحصائية شاملة لكل الناجيات، لكنها من أكثر الأرقام المحددة المتاحة حول تجاربهن. وتقول منظمات تعنى بدعم الناجيات، من بينها أطباء بلا حدود، إن الوصمة الاجتماعية كثيراً ما تمنع النساء من طلب الدعم بعد الإفراج عنهن.
إذن قصة إخلاص وسنواتها السبع العجاف نموذج للنساء السوريات اللواتي اعتقلن على يد قوات الأسد، وهي اليوم تطلب فقط مسكن وتقول إنها لا تريد تقديم تجربتها بوصفها بطولة، ولا تطلب معاملة استثنائية، قائلة: “أنا مثلي مثل أي مواطن سوري طلع بالثورة”، وما تريده أبسط من ذلك: غرفة آمنة، ومكان ثابت لا تضطر إلى مغادرته كلما تغيرت الظروف.
“أنا ما بدي شيء بهالحياة… بدي غرفة، غرفة أستر فيها”، تقول اخلاص.
