اسم الكاتب وصورته
صورة الكاتب محمـد العلـي

المفترض أن معركة “الشيخ مقصود” في حلب، تدفع القوات الكردية (قسد) إلى إعادة التفكير بصراعها مع الحكومة الجديدة حول شرعية الدولة ووجوب فرض سيادتها على كامل التراب السوري وخاصة الجزيرة السورية، والتوقف عن استغلال تحركات أنصار نظام الأسد المخلوع وإيران، الذين خسروا حربهم في لبنان وسوريا، بعد أن تبدّلت الموازين، لكن الأمور سارت نحو التصعيد العسكري والإعلامي.

فخسارة (قسد) وجودها في حلب يضعها أمام خيار صعب: إما التمسك بمطالبها الفيدرالية والمخاطرة بخسارة كل شيء، أو قبول لامركزية إدارية تحت مظلة دمشق، تحفظ ما تسميه مكتسبات ثورة 19 تموز لتأسيس إدارة ذاتية للكرد خاصة، بصيغة معاكسة تماما لأهداف الثورة السورية لبناء سوريا حرّة لكل السوريين، وهذا ترجمة لموقف وحدات حماية الشعب YPG التي يقودها سيبان حمو المعادي لفصائل الثوار بمختلف مشاربها.

في هذا السياق، قال الرئيس أحمد الشرع صراحة في مقابلته الأخير، أن “قسد لم تطلق رصاصة واحدة على نظام الأسد”.

رغم الصراع بين فكرة “ثورة تموز” الخاصة بحزب “الاتحاد الديمقراطي PYD وبين “ثورة آذار السورية”، يدرك الجميع أن المعطيات الإقليمية والدولية تغيّرت؛ والمظلّة الأمريكية لـ(قسد) تضعف، والتهديدات التركية تتزايد، هذا الأسبوع صرح وزيرَا الدفاع والخارجية ، بأن (قسد) لم يعد أمامها سوى إلقاء السلاح أو مواجهة القوة، ما يجعل خيار التنازل شبه حتمي وان العمليات العسكرية ستطال المناطق الكردية، لا مناطق العشائر العربية في الرقة ودير الزور والحسكة فقط.

 وربما تُرجم وعي قسد بالمأزق  من خلال عدم اشعال الجبهات في دير الزور والرقة، واقتصارها على شرق حلب وعمليات تسلل في تل أبيض، ثم استخدام قطع مياه الشرب عن حلب كسلاح للضغط على دمشق، لكن هذا التعنّت قد يوسّع المواجهات شرقاً، حيث وزارة الدفاع تعزيزات كبيرة لـ(قسد)، فردت بإعلان دير حافر ومسكنة منطقة عسكرية وطالبت القوات الكردية بالانسحاب إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات.

رغم أن طبول الحرب تقرع فالتجربة السورية علّمتنا أن الانزلاق إلى المواجهة لا يصنع حلولاً جذريا، بل يراكم الخسائر الإنسانية والاجتماعية، ويترك ندوباً عميقة في النسيج الوطني حتى يصبح النصر بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ولهذا قال أحمد الشرع لمظلوم عبدي: “إذا كنت قاتل لأجل حقوق المكون الكردي، فإنت لا تحتاج أن تصرف قطرة دم واحدة” لأن الحقوق محفوظة بالقانون، وكذلك عندما يحذّر العقلاء والخبراء من مخاطر التصعيد، فهم لا يبالغون، بل يستحضرون صوراً يعرفها السوريون جيداً: ضحايا، دمار، نزوح، وانقسام مجتمعي لا يخدم إلا أعداء الاستقرار وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو.

الأخطر أن بعض الخطابات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي باتت تضخّم الوقائع، وتشوّه الحقائق، وتدفع الجمهور نحو اصطفافات حادّة، تتضمن أصوات تنادي بنبرة عالية بسحق الطرف الآخر على مبدأ أن الحرب بالتهاويل، وكأن البلاد تحتمل مزيداً من الاحتقان؛ فالمطلوب اليوم ليس الاستثمار في التوتر، بل الذهاب نحو مقاربة وطنية تُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الواحدة، والسلاح الشرعي الواحد، وسيادة الدولة.

التطورات الإقليمية والدولية تشير بوضوح إلى تراجع منطق الكيانات المنفصلة، وصعود خيار إعادة دمج الجغرافيا السورية ضمن إطار إقليم دولة موحّدة، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بقدرة السوريين أنفسهم على ضبط خطابهم الداخلي، ورفض التحريض والكراهية، وتقديم منطق التهدئة على منطق الاستفزاز.

ما يحدث في حلب ليس نهاية الطريق، بل جزء من مخاض إعادة بناء الدولة، وزيارات المبعوث الأمريكي إلى عمّان ودمشق كانت لتسريع اندماج السويداء على أساس خارطة الطريق، و(قسد) على أساس اتفاق 10 آذار لضمن عودة الجزيرة حيث تتركز معظم الثروات القادرة على إعادة بناء البلاد.

وعلى أساس المثل السوري: «خلي للصلح مطرح» ترك الشرع الباب مواربا امام قسد إن أحبت تطبيق اتفاق آذار بحسن نية، فبدون مساحة للتفاهم لا يمكن بناء وطن لكل السوريين، وعلينا أن ندرك أن الثورة السورية كانت مكلفة، ولن تستطيع أي قوة في العالم إقناع أنصار الثورة بالتخلي عن أهدافها، أو القبول بالقول إن احتجاجات 2011 ضد بشار الأسد كانت سبباً في تقسيم البلاد.