في محاضرة أكاديمية حملت عنوان «نظرة على سوريا بين الأمس واليوم»، قدّم الباحث السوري محمد السدحان قراءة موسعة لمسار الثورة في سوريا، من جذورها التاريخية إلى تداعياتها الراهنة، مؤكداً أن فهم هذا المسار بات أساسياً لفهم ديناميات الشرق الأوسط المعاصر.
جاء ذلك خلال فعالية «اليوم السوري» التي نظمتها جمعية قنطرة في جنوب فرنسا، يوم السبت، في قاعة “بيت العلاقات الدولية” بمدينة مونبلييه.
وضع السدحان سوريا في سياق تاريخي طويل اتسم بتعاقب قوى وهيمنات خارجية، من بينها الانتداب الفرنسي الذي امتد لأكثر من ربع قرن وأسهم في إعادة تشكيل البنية السياسية والجغرافية للبلاد. واعتبر أن هذا الإرث لا يزال ينعكس على تعقيدات الحاضر السوري، خصوصاً في ما يتعلق بالهويات والانقسامات الداخلية.
وتوقف عند عمليات قمع بشار الأسد للثورة التي اندلعت في البلاد، واصفاً إياها بأنها لحظة مفصلية دفعت سوريا إلى مستويات غير مسبوقة من العنف والتفكك، وأعادت تشكيل المجتمع تحت ضغط التطرف والمعاناة الإنسانية الواسعة مستعرضا صورة لبشار الأسد على بناء مهدم في حمص كتب عليها “سوا منعمرها”.
وفي تناوله للوضع الراهن، أشار إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق 8 كانون أول 2024، حيث تواجه السلطة الانتقالية تحديات كبرى، في ظل تراجع واضح في انخراط المجتمع الدولي، الذي بات يكتفي ـ وفق عرضه ـ بوعود استثمارية دون التزام فعلي على الأرض.
كما لفت إلى أن التحديات الأساسية في هذه المرحلة تتركز في الملفين الاقتصادي والأمني، في بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه قدرات مؤسساته، ما يفاقم صعوبة إدارة المرحلة الانتقالية.
وفي جانب آخر من المحاضرة، خصّص السدحان حيزاً واسعاً لملف اللاجئين السوريين، خصوصاً في فرنسا، متناولاً إشكالية العودة وإعادة الإعمار بوصفها مسألة مرتبطة مباشرة باستقرار البلاد. وأشار إلى أن العودة تبقى حلماً قائماً لدى كثير من اللاجئين، لكنها مشروطة بتوفر بيئة آمنة واستقرار سياسي واقتصادي.
وانتقل إلى تجربة اللاجئين في فرنسا، موضحاً أنها تقوم على مفارقة بين مستوى تعليمي غالباً مرتفع، وبين واقع من الهشاشة الاجتماعية والنفسية، حيث يعيش كثيرون حالة من القلق الدائم، والتمزق بين الذاكرة والمنفى، وبين الرغبة في الاندماج والحفاظ على الهوية الأصلية.
كما تناول إشكالية التسمية بين “لاجئ” و“مهاجر” و“منفي”، مشيراً إلى تباين بين الخطاب المؤسسي والصورة التي يقدمها المعنيون بأنفسهم، حيث يرفض بعضهم هذه التصنيفات لصالح تعريف ذاتي أكثر ارتباطاً بالهوية السورية.
وفي الختام قرأ المحاضر مقطعاً شعرياً يعكس معاناة السوريين خلال عقود من الصراع.
السدحان حاصل على دكتوراه في علوم اللغة، ويُعدّ باحثًا منتسبًا إلى مخبر Praxiling (UMR 5267 – CNRS)، وباحثًا مشاركًا في مخبر ReSO (UR 4582) بجامعة بول-فاليري مونبلييه 3، حيث يدرّس في قسم علوم اللغة وكذلك في قسم اللغة العربية.
تتركز أبحاثه على تحليل الخطاب الإعلامي-السياسي وخطاب اللاجئين، كما يهتم بقضايا الهجرة، والترجمة، والثقافة، والتاريخ، والهوية الإثنو-سوسيو-ثقافية قيد التشكّل وإعادة التشكّل في العالم العربي.
أصدر مؤخرًا كتابًا يتناول تجربة الهجرة للاجئين السوريين في فرنسا بعنوان: «كلمات سورية في المنفى: تجارب، تمثّلات وهويات متعددة»، الصادر عن منشورات جامعة بول-فاليري مونبلييه، إلى جانب ذلك، شارك في عدد من الندوات والملتقيات والمؤتمرات الوطنية والدولية، ونشر مجموعة من المقالات العلمية في كتب ودوريات محكّمة ذات صدى عالمي.
