يوسف قبلاوي الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يتهم الزملاء الصحفيين بـ “التخريب الإعلامي” على طريقة بشار الأسد لتغطية الفساد والمحسوبيات المستشرية في قطاع النفط، هذا عدا عن التفاخر الذي أبداه قبل يوم واحد بتعاون مع الشركات الأمريكية لتنفيذ عمليات تنقيب في المياه الإقليمية السورية والتي تحتاج لموافقة الشعب السوري!
طبعاً، أثار بيان الشركة السورية للبترول أو قبلاوي تفاعلات واسعة وانتقادات من صحفيين ومتابعين على حد سواء بعد اتهام صاحبه بمحاولة شق الصف داخل الحكومة، ومع متابعة التعليقات على صفحة الشركة، فوجت من بنية البيان أنه مكتوب بمساعدة آلية أولاً، فيقول :
“إن قطاع الطاقة ليس قطاعاً معزولاً، بل هو شريان الحياة الذي يدعم كافة مؤسسات الدولة.”
وثانياً أنه يؤكد استمرار إشكالية عجز المسؤولين السوريين عن التعاطي مع وسائل الإعلام، ويعتبرون الهجوم على شخصياتهم ربما لأن كل منهم يحسب أن المؤسسة ملكه، وبالتالي ترد بخطاب سياسي فارغ دون تفاصيل، بدلاً من تقديم معلومات دقيقة ومباشرة وصحيحة، وهذا استمرار لنهج عدم تمكين الصحفي من الحصول على معلومات، وهي جزء من حرية الصحافة، لأن حرية التعبير ليست حرية الصراخ وكيل الاتهامات والشتائم والتحريض والكراهية.
وفي هذا السياق، بيان الشركة ركّز على “الوحدة المؤسسية والمسؤولية الوطنية” وحقها في ملاحقة ما وصفته بـ”حملات التشويه”، دون أن يتضمن أرقاماً أو معطيات تفصيلية حول الإنتاج أو التحديات أو اتهامات الفساد التي يواجهها القطاع النفطي المثارة في تقارير إعلامية.
وكصحفي، أجد أن المشكلة بغياب المعلومة الأساسية التي يبحث عنها الصحفي، وهو ما يطلبه الجمهور، بينما جاءت الردود من قبلاوي تميل إلى التشكيك أو التهديد بالقانوني لدفع الصحافة إلى موقع دفاعي، وهذا لن ينجح بعد سقوط الأسد، لأن الصحافة عملت عقداً ونصف ضد أعتى النظم الاستبدادية والتشبيحية، وهذا سيهدم آخر جسور الثقة.
ومن الملاحظ أيضاً أن البيان ذكر “السبل القانونية والدستورية لمحاسبة من يحاول المساس بسمعتها أو سمعة كادرها، فالدولة القوية هي دولة المؤسسات والقانون”، لأن الآلة التي كتبت النسخة النهائية من البيان لا تدرك أن دولتنا وليدة وليس فيها دستور بل إعلان دستوري ومراسيم رئاسية، لكن نطمح أن تكون “دولة قانونية” بعد الفترة الانتقالية.
ومن جهة أخرى، تُظهر مئات التعليقات على البيان وعلى صفحة الشركة -كما قلنا- التركيز على مصير المسؤولين المشار إليهم داخل الشركة ومدى تنفيذ قرارات حكومية سابقة، إضافة إلى مطالبات بنشر بيانات حول حجم الإنتاج وعدد الآبار وخطط التطوير ومصير ملايين الدولارات “الممنوحة تحت الطاولة”، كما قالت صحيفة زمان الوصل في ردها.. فهل هذه التصرفات تجري وفق القانون فتمنح العقود دون مناقصات بل “بالتراضي”؟!
وفي هذا الإطار، أرى أن هذا النمط من الخطاب يعيد إنتاج فجوة تقليدية بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام، وكانت لي تجربة شخصية مع المسؤولين في الحسكة هذا الأسبوع، ملخصها أنه إن لم تكن من الصحفيين المزكيين أو المنتمين إلى مديرية أقلام المحافظة، يمكن تجاهل اتصالاتك أو استفساراتك ورسائلك، وتحرم من الوصول إلى المعلومة رغم موقفك الواضح من #نظام_الأسد طوال سنين الثورة السورية.
نهاية القول، فإن الهجوم على الصحفي أو التشكيك في دوافعه -خاصة من قارع نظام بشار الأسد- بدلاً من تزويده بالمعلومة الصحيحة، هو ما يدفع الإعلام تدريجياً إلى التموضع في خندق مقابل للحكومة، لأن الشفافية وحدها هي من سيحمي الحكومة من سهام الإعلام، سواء كانت الصائبة منها أو حتى المسمومة.
وأخيراً، انشروا الأرقام الصحيحة، وعالجوا الموضوع، ولا تحوروا المسألة إلى هجوم شخصي على الصحيفة أو “الصحفي المخرب” الذي يحاول كشف الفساد والصفقات المشبوهة في أهم قطاعات اقتصاد البلاد!

