أعلنت وزارة التعليم العالي السورية، الجمعة، حزمة قرارات لتنظيم أوضاع جامعتي القامشلي، المعروفة باسم «روج آفا»، وعين العرب «كوباني»، بعد إدماجهما في منظومة التعليم العالي الحكومية، في خطوة أثارت اعتراضات طلابية متعلقة باللغة الكردية والهوية المؤسسية للجامعتين، إلى جانب قانونية التسميات أو اتساقها مع الإعلان الدستوري .
وقال وزير التعليم العالي مروان الحلبي إن الوزارة قررت الإبقاء على التسجيل في بعض الكليات خلال العام الدراسي الحالي، وتعليق قبول الطلاب المستجدين في كليات أخرى لمدة عام واحد، لإتاحة المجال أمام تقييم المعايير الأكاديمية ومراجعة واقع الكليات واستكمال متطلبات البنية التحتية والاعتماد الأكاديمي.
وأكد الحلبي أن التعليق لا يعني إغلاق أي كلية بصورة نهائية، وأن الطلاب المسجلين حالياً سيواصلون دراستهم حتى التخرج، على أن يُستأنف قبول الطلاب الجدد في الكليات المعنية بعد استكمال متطلبات الاعتماد. وأضاف أن أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية سيُدمجون في الهيكل التنظيمي الجديد ويوزّعون وفق اختصاصاتهم وخبراتهم، فيما ستتمتع الكليات باستقلالية مالية ضمن تبعيتها للوزارة، بالتزامن مع دراسة إقرار هيكل أجور جديد لتحسين أوضاع الأكاديميين والعاملين.
وكان الحلبي قد أوضح، عقب اجتماعه مع لجنة دمج الجامعتين، أن مجمع كليات القامشلي التابع لجامعة الفرات سيبقى كذلك إلى حين صدور قانون بإحداث جامعة مستقلة في محافظة الحسكة، فيما سيتبع مجمع كليات عين العرب جامعة حلب.
وقال الوزير إن الإجراءات تهدف إلى توحيد المرجعية الأكاديمية والإدارية، مع ضمان حقوق الطلاب والكوادر وتسوية أوضاعهم وفق القوانين والمعايير المعتمدة، مؤكداً قبول جميع المتقدمين للمفاضلة العامة.

وتأتي هذه الخطوات في سياق مسار سياسي أوسع لإعادة دمج المؤسسات التي أدارتها الإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة، وإنهاء تعدد المرجعيات الإدارية والقانونية الذي نشأ خلال سنوات الحرب. وكانت الإدارة الذاتية منذ تأسيسها 2014 قد أقامت مؤسسات تعليمية وإدارية خاصة بها في مناطق سيطرتها، في ظل تراجع حضور مؤسسات الحكومة المركزية، وارتبط مشروعها السياسي والإداري بحزب الاتحاد الديمقراطي، فيما تلقت قوات سوريا الديمقراطية دعماً عسكرياً من الولايات المتحدة والتحالف الدولي خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية(داعش).
ولا يعني إدماج المؤسسات في منظومة الدولة، بالضرورة، استمرار جميع أسمائها وهياكلها السابقة؛ إذ يطرح الانتقال إلى المرجعية الحكومية أسئلة تتعلق بالصفة القانونية للمؤسسات العامة وتسمياتها، وبكيفية التوفيق بين وحدة النظام التعليمي وحقوق المكونات اللغوية والثقافية في المنطقة.
ويبرز اسم «جامعة روج آفا» في صلب هذا الجدل. فالتسمية، التي تعني «غرب كردستان»، تحمل دلالة جغرافية وقومية وسياسية مرتبطة بالمشروع الذي تبنته الإدارة الذاتية، لكنها لا تمنح المنطقة أو الجامعة صفة دولة مستقلة، ولا تنشئ بذاتها اعترافاً قانونياً بكيان منفصل عن سوريا، ومع ذلك، فإن الإبقاء على الاسم بوصفه تسمية رسمية لمؤسسة عامة بعد إخضاعها للقوانين والمرجعية الإدارية السورية يطرح مسألة تتجاوز الجانب الأكاديمي إلى طبيعة الهوية المؤسسية التي تعتمدها الدولة، هذا عدا عن استفزاز لمكونات الأخرى نتيجة اطلاق الحزب اسم “روج آفا” على مناطق سيطرته خلال العقد الماضي من عمر الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد.
وهنا، يقول الخبراء أن توحيد المرجعية الحكومية لا يقتضي إلغاء الخصوصية اللغوية والثقافية للطلاب والأكاديميين الأكراد، وبالتالي، فإن مراجعة الاسم الرسمي للجامعة، إن تقرر تسميتها “جامعة القامشلي” أو “جامعة الحسكة”، لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للمساس باللغة أو إلغاء البرامج والتخصصات التي تلبي احتياجات السكان الكرد في المحافظة.
اعتراضات طلابية
وفي أول ردود الفعل، أعلن طلاب جامعة القامشلي (روج آفا) رفضهم أي صيغة للدمج تؤدي إلى إلغاء خصوصية الجامعة أو إنهاء التدريس باللغة الكردية، واعتبروا أن ذلك قد يشكل «عملية صهر وإنكاراً كاملاً للوجود اللغوي والثقافي»، وقالوا إنهم لا يعارضون الدمج من حيث المبدأ، شرط أن يحفظ الحقوق الأكاديمية واللغوية والمكتسبات التعليمية القائمة.
وطالب الطلاب بالاعتراف بالجامعة مؤسسة تعليمية رسمية في محافظة الحسكة، والحفاظ على هويتها وخصوصيتها، وإشراك الطلاب والأساتذة في القرارات المتعلقة بمستقبلها.
كما دعوا إلى إعفاء الإدارة التي حمّلوها مسؤولية تعريض مستقبل الجامعة للخطر، وأعلنوا إطلاق مبادرة للدفاع عن هويتها.
وأشار البيان إلى قرارات قال الطلاب إنها تحصر التعليم باللغة الكردية بثلاث ساعات، وهو ما لم يتضح من القرارات الوزارية المعلنة ما إذا كان يشمل جميع الكليات والبرامج أو ما إذا كان قد صدر في إطار إجراءات تنظيمية منفصلة.
وتحدثت تقارير إعلامية كردية عن وجود ما بين 4500 و5000 طالب مسجلين في الجامعة، لكن لم تصدر بيانات رسمية حول العدد أو من تفاصيل توزيع الطلاب على الكليات والاختصاصات.
أما في عين العرب، فقال الرئيس المشترك لجامعة كوباني، شيروان مسلم، عقب اجتماع عقدته الجامعة السبت، إن الكليات ستُنظّم بوصفها مجمعاً تابعاً لجامعة حلب، وإن الشهادات ستُعتمد من الجامعة الأم، مضيفا أن الطلاب المسجلين في السنوات الثانية والثالثة والرابعة سيواصلون دراستهم وفق الخطط السابقة حتى التخرج، وأن برامج الدراسات العليا ستستمر، كما سيبقى نظام التسجيل المفتوح قائماً.
وقال مسلم إن الجامعة ستعيد الإعلان عن الأقسام التي لم يستفد طلابها من معادلة الشهادات، وإن مطالب الطلاب قُبلت وستُحال إلى وزارة التعليم العالي.
وكان طلاب جامعة كوباني قد طالبوا، في بيان صدر في 28 تشرين الأول، بضمان استمرار الخطط الدراسية الحالية وعدم فرض مقررات إضافية على الطلاب، والحفاظ على المقررات والدرجات والسنوات الدراسية، وعدم إجبارهم على الانتقال إلى جامعات أخرى.
كما دعوا إلى تقديم ضمانات مكتوبة بشأن مستقبل التخصصات التي حُذفت من المفاضلة، والإفصاح عن المعايير التي استندت إليها قرارات تعليق القبول.
توحيد المؤسسات وضمان الحقوق
وتكشف الاعتراضات أن الخلاف لا يقتصر على تبعية الكليات لجامعتي الفرات وحلب، بل يمتد إلى شكل التعليم الذي سيبقى متاحاً في المنطقة، وموقع اللغة الكردية في المناهج، ومستقبل التخصصات والبرامج التي أنشئت خلال سنوات الإدارة الذاتية.
وتقول الوزارة إن توحيد المرجعية الأكاديمية والإدارية يستهدف تنظيم القطاع وضمان الاعتماد والشهادات والحقوق الوظيفية، بينما يخشى الطلاب والأكاديميون الكرد أن يؤدي الانتقال الإداري إلى تقليص مساحة التعليم باللغة الكردية أو إلغاء مكتسبات أكاديمية سابقة، على حد وصفهم.
ويبقى حسم هذا الجدل مرتبطاً بنشر القرارات التنفيذية لوزارة التعليم العالي، فنجاح الدمج هو إعادة مؤسسات التعليم إلى منظومتها القانونية، مع ضمان استمرار الدراسة وعدم الإضرار بالطلاب، وصون الحقوق اللغوية والثقافية من دون تكريس تسميات أو هياكل ذات حمولة سياسية تناقض مبدأ الوطنية للمؤسسات العامة.
