طرح القاضي السوري حسين حمادة، مدير المركز السوري للدراسات القانونية، دراسة بعنوان “مبادئ أربعة كمدخل للحل الوطني في سورية”، قدّم فيها تصوراً دستورياً وإدارياً لإدارة المرحلة الانتقالية، يقوم على إعادة توزيع السلطات، وتقليص تركّز القرار، وبناء مؤسسات تشريعية وقضائية وأمنية جديدة.
وتأتي الدراسة في سياق نقاشات سورية متزايدة حول شكل الدولة خلال المرحلة الانتقالية، بعد سنوات من النزاع والانقسام المؤسساتي، حيث يركز حمادة على أن الأولوية لا ينبغي أن تكون صياغة دستور دائم بشكل سريع، بل إنشاء إطار دستوري مؤقت قادر على إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتمهيد الطريق لانتقال سياسي مستقر.
ويستند المشروع إلى فكرة مركزية مفادها أن المرحلة الانتقالية تختلف عن مراحل الاستقرار السياسي، وأنها تحتاج إلى قواعد استثنائية ومؤقتة تمنع الفراغ والانهيار، قبل الانتقال إلى بناء نظام دستوري دائم عبر توافق وطني أوسع.
دستور مؤقت بدلاً من دستور دائم
يرى حمادة أن الظروف السورية الحالية لا تسمح بإقرار دستور دائم، بسبب استمرار الخلافات حول هوية الدولة، وشكل نظام الحكم، وطبيعة توزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق، إضافة إلى صعوبة إجراء انتخابات تشريعية قادرة على إنتاج مؤسسة تشريعية تمثل مختلف القوى الاجتماعية والسياسية.
ويقترح بدلاً من ذلك تشكيل جمعية تأسيسية، سواء عبر الانتخاب أو التعيين أو صيغة مختلطة، تتولى إعداد دستور مؤقت موسع لا يقتصر على المبادئ العامة، وإنما يحدد قواعد بناء المؤسسات السياسية والأمنية والقضائية.
ويقول حمادة إن هذا الإطار المؤقت يجب أن يقوم على أربعة مبادئ أساسية:
- إعادة توزيع الصلاحيات بين رئيس الدولة والحكومة.
- اعتماد نموذج الإدارة بالمجالس بدلاً من القرار الفردي.
- إنشاء سلطة تشريعية من مجلسين تجمع بين التمثيل الشعبي والخبرة.
- إعادة بناء السلطة القضائية على أساس الاستقلال وسيادة القانون.
أولاً: إعادة توزيع السلطة بين الرئيس والحكومة
يقترح المشروع الانتقال من نموذج رئاسي واسع الصلاحيات إلى نظام يحد من تركّز القرار السياسي.
وبحسب الدراسة، يتحول رئيس الجمهورية إلى جهة ضامنة للتوازن الدستوري، وليس مركزاً تنفيذياً مطلقاً.
ومن أبرز صلاحيات الرئيس المقترحة:
- حماية الدستور والوحدة الوطنية.
- تعيين رئيس الحكومة وتكليفه بتشكيل الوزارة.
- دعوة مجلس الوزراء للانعقاد ومتابعة أعماله.
- إصدار القوانين التي يقرها المجلس التشريعي مع إمكانية الاعتراض عليها أمام المحكمة الدستورية.
- اعتماد السفراء وإبرام المعاهدات بعد عرضها على مجلس النواب.
- إعلان الحرب أو الطوارئ بعد موافقة مجلس الوزراء ومجلس الشعب.
- اقتراح الاستفتاءات الشعبية في القضايا الوطنية.
في المقابل، يمنح المشروع الحكومة صلاحيات واسعة باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة الدولة اليومية.
وتشمل مهامها:
- قيادة الملفات العسكرية والمدنية والاقتصادية والخدمية.
- الحفاظ على وحدة البلاد والاستقرار الاجتماعي.
- معالجة ملفات المعتقلين والمفقودين والمهجرين.
- إطلاق مشاريع إعادة الإعمار وفق أولويات المناطق المتضررة.
- إعداد الموازنة العامة.
- تقديم مشاريع القوانين.
ويرى حمادة أن هذا الفصل بين دور الرئيس ودور الحكومة يهدف إلى منع إعادة إنتاج نموذج السلطة المركزية المطلقة الذي حكم سورية لعقود.
ثانياً: حكومة مجالس لا وزارات
أبرز الأفكار الجديدة في الدراسة هي استبدال النموذج الوزاري التقليدي بما يسميه “إدارة المجالس”.
ويقترح أن تتشكل كل وزارة من مجلس مكوّن من سبعة أعضاء، وأن يشكل رؤساء هذه المجالس الحكومة التنفيذية.
ويعتبر صاحب الدراسة أن هذا النموذج يهدف إلى تحويل القرار من شخص واحد إلى مؤسسة جماعية، وتقليل احتمالات احتكار السلطة.
ويقترح عدداً من المجالس التنفيذية الأساسية:
المجلس العسكري
يقترح المشروع إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس جيش وطني بعيد عن السياسة.
ويحدد ثلاث فئات للخدمة العسكرية:
الخدمة الإلزامية:
- واجب قانوني للذكور عند سن 18 عاماً.
- مدتها ستة أشهر.
- تركز على التدريب العسكري.
الخدمة الاحترافية:
- خدمة اختيارية لمن يختارون العمل العسكري كمهنة.
الخدمة الاحتياطية:
- مرحلة لاحقة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في حالات الحرب والطوارئ.
كما يقترح:
- استبعاد القيادات العسكرية المتورطة في جرائم بحق السوريين.
- إعادة الضباط والعسكريين المنشقين الراغبين بالعودة.
- إعادة هيكلة هيئة الأركان.
- منع الجيش من التدخل السياسي.
- عدم خروجه من ثكناته إلا بموافقة رئاسة الجمهورية ولمدة محددة قابلة للتجديد بموافقة مجلس الشعب.
وتطرح هذه النقاط واحدة من أكثر القضايا حساسية في أي انتقال سياسي سوري، وهي كيفية بناء مؤسسة عسكرية جديدة دون إقصاء شامل أو إعادة إنتاج الهياكل السابقة.
مجلس قوى الأمن الداخلي
يقترح المشروع إنشاء مؤسسة أمن داخلي موحدة تتولى:
- إدارة الشرطة.
- حفظ الأمن العام.
- تنفيذ القرارات القضائية.
- إدارة السجون.
- تنظيم وثائق السفر والهجرة.
- حماية المؤسسات العامة.
كما يدعو إلى إنشاء جهاز أمني مدني لا يتمتع بحصانة قانونية.
وتعكس هذه النقطة محاولة لمعالجة ملف الأجهزة الأمنية السورية، الذي كان أحد أبرز أسباب الاحتجاجات عام 2011، عبر إخضاع العمل الأمني للقانون والرقابة.
مجالس الإدارة المحلية
تمنح الدراسة دوراً واسعاً للإدارة المحلية، عبر مجالس منتخبة في المحافظات والمناطق.
وتشمل صلاحياتها:
- إدارة المشاريع المحلية.
- إعداد الموازنات المحلية.
- تنظيم الخدمات الصحية والاجتماعية والعمرانية.
- فرض رسوم محلية ضمن القانون.
ويهدف هذا التصور إلى نقل جزء من القرار الإداري والمالي من المركز إلى المناطق.
ثالثاً: نظام تشريعي من مجلسين
يقترح المشروع إقامة برلمان مزدوج يتكون من:
مجلس الشعب
مجلس منتخب مباشرة من المواطنين، على أساس مقعد لكل مئة ألف نسمة.
ويقترح توزيع التمثيل داخله وفق نسب محددة:
- 25% للنساء.
- 15% للشباب.
- 25% للكفاءات والخبرات العلمية.
- 15% للفعاليات الاجتماعية والاقتصادية.
- 20% للأحزاب السياسية.
ويمتلك المجلس صلاحيات:
- منح الثقة للحكومة.
- مراقبة الأداء التنفيذي.
- إقرار الموازنة.
- المصادقة على المعاهدات.
- إصدار العفو العام.
المجلس التشريعي النوعي
يقترح إنشاء مجلس ثانٍ يضم خمسين عضواً من أصحاب الاختصاص.
ويتم تشكيله عبر:
- تعيين رئيس الدولة لعشرة أعضاء.
- اختيار بقية الأعضاء من مجلس الشعب.
وتتمثل مهمته الأساسية في صياغة القوانين ومراجعتها من الناحية الفنية والتخصصية.
ويشبه هذا المقترح نماذج المجالس العليا أو غرف الخبراء الموجودة في بعض الأنظمة السياسية، حيث يجري الفصل بين التمثيل الشعبي والخبرة القانونية والعلمية.
رابعاً: إعادة بناء السلطة القضائية
يولي المشروع أهمية كبيرة لاستقلال القضاء، باعتباره الضامن الأساسي لأي انتقال سياسي.
ويقترح:
- استقلال السلطة القضائية مالياً وإدارياً.
- إعادة تنظيم مجلس القضاء الأعلى.
- إنشاء موازنة مستقلة للقضاء.
- إعادة هيكلة القضاء العسكري والإداري.
المحكمة الدستورية
يقترح تشكيل محكمة دستورية من سبعة أعضاء:
- ثلاثة يسميهم مجلس الشعب.
- اثنان تسميهما الحكومة.
- عضو من مجلس القضاء الأعلى.
- عضو من نقابة المحامين.
وتتولى:
- مراقبة دستورية القوانين.
- محاكمة رئيس الدولة ونوابه في القضايا الجنائية والمدنية والمسلكية.
القضاء العادي
يقترح المشروع:
- توحيد مرجعية القضاء.
- إعادة النظر في أوضاع القضاة الذين شاركوا في قمع الثورة.
- منح القضاء استقلالية كاملة.
- جعل النيابة العامة هيئة قضائية موحدة.
كما يقترح تقسيم السلطة القضائية إلى أربع مناطق:
- المنطقة الجنوبية.
- المنطقة الوسطى.
- المنطقة الشمالية.
- المنطقة الشرقية.
وهو تقسيم يهدف إلى تحقيق قدر أكبر من الإدارة القضائية المحلية.
الانتخابات والأحزاب والإعلام
يتضمن المشروع تصوراً لتنظيم الحياة السياسية بعد المرحلة الانتقالية.
ويقترح:
مجلساً مستقلاً للانتخابات
يتشكل من قضاة وشخصيات قانونية، ويتولى:
- الإشراف على الانتخابات.
- تشكيل اللجان الانتخابية.
- النظر في الطعون.
تنظيم الأحزاب السياسية
يقترح إنشاء مجلس للأحزاب يراقب الحياة الحزبية.
ومن شروط تأسيس الأحزاب:
- عدم قيامها على أساس طائفي أو عرقي.
- إعلان مصادر التمويل.
- منع تشكيل أجنحة مسلحة.
- تمثيل النساء والشباب.
- وجود حد أدنى للعضوية.
مجلس للإعلام
يقترح هيئة متخصصة من سبعة أشخاص لتنظيم العمل الإعلامي، مهمتها:
- حماية حرية التعبير.
- منع الاحتكار الإعلامي.
- حماية الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية.
الجدول الزمني
تضع الدراسة جدولاً زمنياً للانتقال السياسي:
- إجراء انتخابات برلمانية خلال 90 يوماً من إقرار الدستور المؤقت.
- إجراء انتخابات رئاسية خلال شهرين من تشكيل مجلس الشعب.
- تشكيل الحكومة خلال شهرين من انتخاب الرئيس.
- انتخاب مجالس محلية ونقابية خلال شهرين من انتخاب البرلمان.
كما تنص على استمرار القوانين السابقة مؤقتاً، إلى حين تعديلها خلال سنة بما يتوافق مع الدستور الجديد.
“منطقة وسطى”
تقدم دراسة حسين حمادة تصوراً واسعاً لإعادة بناء الدولة السورية، يجمع بين عناصر من النظام البرلماني، والإدارة المحلية الموسعة، والرقابة القضائية، مع محاولة الحد من تركيز السلطة التنفيذية.
لكن تطبيق هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها:
- مدى إمكانية تحقيق توافق سياسي حول شكل الدولة.
- طبيعة المرحلة الأمنية والعسكرية.
- قدرة القوى السورية المختلفة على قبول إعادة توزيع السلطة.
- كيفية التعامل مع المؤسسات القائمة والعاملين فيها.
- العلاقة بين المركز والمناطق في بلد شهد خلال السنوات الماضية انقسامات عميقة.
المشروع الانتقالي في سوريا يحتاج إلى التوفيق بين مطلبين متعارضين: الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة ومنع الانهيار، وبين ضمان عدم عودة نموذج الحكم المركزي المغلق الذي ساهم في تفجر الأزمة السورية.
وتضع الدراسة نفسها ضمن محاولات قانونية سورية تسعى إلى تقديم إطار نظري لمرحلة ما بعد الصراع، عبر الانتقال من منطق “تغيير السلطة” إلى منطق “إعادة بناء الدولة”.
