تشهد مدينة الرقة ومحيطها تحركات استثمارية ومشروعات في البنية التحتية يصعب على العين أن تخطئها؛ من مشروع إنشاء منطقة صناعية وحرفية، إلى أعمال تعبيد الطرق، وصولاً إلى وضع حجر الأساس لمشروع معمل للإسمنت في عين عيسى بريف المحافظة. وهي مشروعات، وإن كانت تستجيب لاحتياجات ملحّة في مجتمع يحاول النهوض من تحت الركام، فإنها تثير تساؤلات متزايدة في الشارع الرقاوي:
كيف تُحال هذه العقود؟
ومن الشركات التي تتولى تنفيذها؟
ولماذا يغيب صوت المواطن عن المطبخ الإداري الذي تُتخذ فيه القرارات المتعلقة بالثروات والممتلكات العامة؟
للإجابة على هذه التساؤلات لا يمكن النظر إلى الكتل الخرسانية وحدها في حين تسير المحافظة إداريا إلى إتمام هذه المشروعات حتى بعد تصاعد الاعتراضات كما حصل في “شمال السكة” و”الكورنيش الجنوبي” وحتى الفندق الذي أعلن موسى العمر عن عزمه بنائه على ضفاف بحيرة الفرات، لأن ما يعيشه الأهالي في الرقة اليوم يثير مخاوف من تكريس منطق «الأمر الواقع»؛ إذ يستيقظ الناس على آليات تعمل في موقع ما، قبل أن يتبين أن المشروع أُحيل إلى شركة، من دون أن يكونوا قد اطّلعوا مسبقاً على تفاصيله، أو على آلية التعاقد، أو على دفاتر الشروط التي جرى اعتمادها.
في الممارسات الإدارية والتنموية الرشيدة، تقوم عقود المشتريات العامة والمشروعات الحكومية على مبادئ واضحة، في مقدمتها الإعلان المسبق عن المناقصات سواء عبر مواقعها الرسمية او حتى معرفاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بما يتيح للمقاولين والشركات المؤهلة فرصاً متكافئة للمنافسة، ووضع دفاتر شروط موضوعية ومعلنة تضمن وضوح المعايير وعدالتها.
وتشمل هذه المبادئ أيضاً توضيح آليات تقييم العروض، والإفصاح عن نتائج الترسية والتكاليف، وإتاحة المجال للاعتراض وفق الأطر المعتمدة، بما يضمن خضوع القرارات المتعلقة بالمال العام للرقابة والمساءلة.
في مقابل هذه القواعد البديهية، تُدار الغالبية من المشاريع الحيوية في الرقة خلف أبواب مغلقة أو عبر عقود بالتراضي لا يعلم أحد معايير اختيارها، وهذا التكتم يتجاوز مجرد الإشكال الإداري ليطال الاقتصاد والمجتمع، حيث يُحرم المقاول والمهندس المحلي من فرصة المنافسة العادلة وتغيب الشفافية والرقابة المفتوحة ما يؤثّر في ثقة الناس بالحكومة.
ونشدد هنا، لا يحاول من يطالب بالإفصاح عن آلية إرساء العقود والمشاريع في الرقة تعطيلها، إنّما هو حريص على أن تكون هذه النهضة مستدامة ونظيفة.
إن المحافظة والجهات التنفيذية مطالبة اليوم بالانتقال من إدارة الغرف المغلقة إلى إعلام الرأي العام؛ عبر منصات تعلن عن المناقصات قبل إقرارها، ونشر تقارير دورية تفصح عن أسماء الشركات المنفذة وتكاليف العقود والمواصفات المعتمدة، مع إشراك النقابات الهندسية والمجتمع المدني في الرقابة.
الرقة التي تنفض عنها غبار السنوات العجاف تستحق أن تُدار استثماراتها بشفافية ونزاهة، فالتنمية تبدأ بتكافؤ الفرص وفي العلن لتنمو المشاريع في وضح النهار وتصبح مصدر اعتزاز لسكان المحافظة المظلومة.

