في ظل التطورات المتسارعة خلال الأيام الماضية في سوريا، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا حول الأوضاع هناك ناشدت فيه الأمم المتحدة الامتثال لاتفاق وقف إطلاق النار والانخراط في الحوار بروح التسوية لضمان الاندماج السلمي للجزيرة السورية.
إلى جانب الدول الخمس عشرة الأعضاء في مجلس الأمن، من المقرر أن يتحدث خلال الاجتماع ممثلو سوريا والعراق والأردن وتركيا وإسرائيل.
ما الذي حدث في سوريا؟
في أوائل الشهر الحالي عقدت الحكومة السورية والقوات الكردية (قسد) محادثات حول تنفيذ “اتفاق العاشر من مارس” الذي توصلتا إليه سابقا. لكن هذه المحادثات لم تسفر عن أي تقدم. بعد ذلك اندلعت الاشتباكات في الأحياء التي تسيطر عليها (قسد) وما حولها في مدينة حلب.
وأفادت التقارير بأن ذلك أدى إلى نزوح عشرات آلاف الأشخاص ومقتل العشرات وإصابة المئات بجراح بالإضافة إلى فقدان أثر آخرين.
خالد خياري مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط وأوروبا في إدارتي الشؤون السياسية وعمليات السلام قال في إحاطته لمجلس الأمن: “بوساطة من الولايات المتحدة الأمريكية وشركاء دوليين آخرين تم إعلان ‘اتفاق وقف إطلاق نار والاندماج الكامل’ في 18 يناير بين الرئيس الشرع وقائد (قسد) مظلوم عبدي، لوقف القتال وضمان الاندماج الكامل لجميع المحافظات الشمالية الشرقية الثلاث تحت سيطرة الحكومة المركزية”.
ولم ينجح اجتماع لاحق بينهما في تطبيق الاتفاق، واستؤنف القتال.
بعد ذلك أعلنت الرئاسة السورية يوم الثلاثاء “تفاهما مشتركا” بين الحكومة وقسد تم بمقتضاه منح قسد مهلة أربعة أيام للتشاور.
فترة حرجة ووضع متوتر
وصف خياري الفترة الحالية بأنها حرجة، وقال إن الوضع على الأرض لا يزال متوترا للغاية يشوبه تبادل لإطلاق النار واشتباكات بين القوات الحكومية وقسد في أجزاء من محافظة الحسكة ومشارف عين العرب المعروفة باسم كوباني.
المسؤول الأممي أشار إلى أزمة تتعلق بالوضع الإنساني والحماية، والحاجة الملحة لأن تضمن جميع الأطراف حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وإتاحة الوصول الإنساني الفوري بدون عوائق.
حماية المدنيين ومواصلة الحوار ودعم أممي
وقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن القلق بشأن استمرار العنف ودعا بشدة إلى احترام القانون الدولي وحماية المدنيين. وحث الأطراف على مواصلة الحوار والتحرك قدما بحسن نية بالعمل معا لضمان تنفيذ جميع الاتفاقات.
وناشد خالد خياري الطرفين على الامتثال فورا لوقف إطلاق النار وفق اتفاق 18 يناير، والانخراط في تحديد وتنفيذ تفاصيل التفاهم الأخير المُعلن يوم 20 يناير، بشكل عاجل وبروح التسوية لضمان الاندماج السلمي دعما لعملية الانتقال الأوسع في سوريا.
وأشار خياري إلى مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع حول الحقوق اللغوية والثقافية والمواطنة للسوريين الأكراد داخل الدولة السورية. وقال المسؤول الأممي: “إنها قضية مهمة للمستقبل، والمرسوم غير المسبوق يعد مبادرة مشجعة للبناء عليها عبر عملية جامعة حقا”.
وأكد خياري أن الأمم المتحدة تدعم بشكل كامل وتشجع الجهود السورية للنهوض بعملية سياسية جامعة، والمشاركة المتساوية لجميع مكونات المجتمع السوري والانخراط ذي المغزى للنساء لتعزيز التناغم والوحدة على المستوى الوطني.
المقاتلون الأجانب
وقال خياري إن الأمم المتحدة تشارك الشعور بالقلق بشأن وجود مقاتلين إرهابيين أجانب في سوريا. وأشار إلى أن السيطرة على بعض مراكز احتجاز مقاتلي داعش قد انتقلت خلال القتال من قسد إلى القوات الحكومية، كما حدث في مخيم الهول في الحسكة.
وفيما تشير التقارير إلى فرار بعض المحتجزين، ناشد خياري إيلاء كامل الاهتمام لضمان تسليم مرافق احتجاز داعش التي لا تزال تحت سيطرة قسد إلى الحكومة السورية بطريقة منظمة.
وأشار إلى إعلان الولايات المتحدة عن مهمتها لنقل محتجزي داعش من سوريا إلى العراق، حيث تم بالفعل نقل 150 عنصرا من داعش كانوا محتجزين في الحسكة إلى منشأة آمنة في العراق.
انتهاكات إسرائيلية لسيادة سوريا
المسؤول الأممي قال إن الاقتحامات الإسرائيلية جنوب سوريا تواصل تقويض سيادتها وسلامة أراضيها. ورحب بتجديد مجلس الأمن لتفويض بعثة الأندوف (قوات مراقبة فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة) لمدة ستة أشهر.
وكرر تأكيد دعوة الأمين العام لإسرائيل للامتناع عن انتهاك سيادة وسلامة أراضي سوريا. وناشد الأطراف احترام اتفاق فك الارتباط بين القوات لعام 1974، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد 8 ديسمبر 2024.
مساعدات مقدمة من الأمم المتحدة
استمع مجلس الأمن الدولي أيضا إلى إحاطة من إيديم وسورنو المسؤولة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية التي تحدثت عن تأثير القتال على المدنيين بما في ذلك انقطاع المياه النظيفة وإجبار بعض المستشفيات على إغلاق أبوابها وحرمان الأطفال من الدراسة.
وقالت إن الأسر النازحة تواجه ظروف الشتاء القارس وتحتاج بشدة إلى المأوى والغذاء والتدفئة. ورغم القتال وصعوبة الوصول، واصلت الأمم المتحدة وشركاؤها تقديم المساعدات.
🔹في حلب تم توفير المأوى والغذاء والدواء والدعم التغذوي وخدمات الحماية، بالتنسيق مع الحكومة. بالإضافة إلى دعم العائدين إلى منازلهم في الأحياء المتضررة.
🔹تم إنشاء مراكز استقبال في الحسكة وقامشلي، وتوفر الأمم المتحدة وشركاؤها الغذاء بأنحاء الرقة وطبقة والحسكة.
🔹صندوق سوريا الإنساني قدم 2.5 مليون دولار لمساعدة النازحين بشكل عاجل والتخفيف من آثار الشتاء القارس عليهم.
🔹وصلت فرق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واليونيسف إلى مخيم الهول – الذي يوجد به آلاف النساء والأطفال الذين يُشتبه بوجود علاقات لهم مع مقاتلي داعش. وقد تولت المفوضية مسؤولية إدارة المخيم وتنسق الآن مع الحكومة السورية لاستئناف تقديم المساعدات المنقذة للحياة على وجه السرعة.
قالت وسورنو إن إزالة الذخائر غير المنفجرة لا تزال أولوية مهمة بأنحاء سوريا، وأشارت إلى تسبب تلك الذخائر في مقتل أكثر من 540 شخصا وإصابة نحو 1000 خلال العام الماضي. كما تعيق هذه المشكلة عودة الناس إلى ديارهم وإعادة بناء سبل كسب العيش وخاصة للمزارعين.
وتطرقت المسؤولة الأممية إلى عوامل الضعف في سوريا في مواجهة ظروف الطقس الشديدة. وقد أثرت العواصف الثلجية العنيفة ودرجات الحرارة المنخفضة في المناطق الشمالية على نحو 160 ألف شخص يعيشون في المخيمات، إذ دمرت أماكن الإيواء وأسهمت في مصرع رضيعين.
وتقدم الأمم المتحدة غاز التدفئة والمساعدات الشتوية إلا أنها لم تتلق سوى 25% من 112 مليون دولار مطلوبة لدعم الناس خلال هذا الموسم.
في الوقت نفسه ما زالت سوريا تعاني من آثار الظروف المشابهة للجفاف التي دمرت 70% من حصاد القمح العام الماضي. وفيما ساعدت زيادة هطول الأمطار في استعادة مستويات المياه ببعض المناطق – أدت أيضا إلى فيضانات وإلحاق أضرار بالأراضي في عدة محافظات.
المسؤولة الأممية قالت إن سوريا قادرة على تحقيق مزيد من التقدم في تقليص الاحتياجات الإنسانية. ولكنها أضافت أن ذلك يعتمد على 3 أمور تتطلبها من المجتمع الدولي بما في ذلك مجلس الأمن، وهي:
- زيادة الاستثمار في التعافي والتنمية.
- التمويل الإنساني الكافي والمستدام على المدى القريب.
- الدبلوماسية النشطة لمنع نشوب مزيد من العنف ولحماية المدنيين.
فيما يلي استعراض لكلمات بعض الدول المشاركة في اجتماع مجلس الأمن حول سوريا.
الاتحاد الروسي
السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا أشار إلى معلومات من وزارة الدفاع السورية حول انتهاك وقف إطلاق النار من قسد في الحسكة أمس. وقال: “نحث جميع الأطراف المعنية على وقف جهود إحباط عملية التفاوض، والامتناع عن مزيد من المواجهات”.
وشدد على أهمية الحوار الوطني من أجل الاستقرار طويل المدى والمستدام. وأشار إلى المرسوم الذي أصدره الرئيس السوري بشأن حماية الحقوق اللغوية والثقافية للسوريين الأكراد.
وقال إنه خطوة مهمة على مسار استعادة الثقة “الضرورية لجميع السوريين في ظل الفترة الراهنة الصعبة للغاية من تاريخ الدولة السورية”.
الولايات المتحدة
تامي بروس نائبة السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة شددت على أهمية دور واشنطن في محاربة الإرهاب “من خلال عملية العزم الصلب وشراكتنا مع (قسد)، التي كان لتضحياتها دور حاسم في تحقيق مكاسب دائمة ضد الإرهاب”.
وقالت: “الآن، تغير الوضع بشكل جذري”. وأضافت أن “دمشق الآن مستعدة ومؤهلة لتولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مراكز احتجاز ومعسكرات داعش”، في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة مع الحكومة وقسد لإعادة إدماج شمال شرق سوريا بطريقة كريمة.
وأشادت بالطرفين لتوصلهما إلى وقف لإطلاق نار لمدة أربعة أيام لوضع الآليات المتعلقة باتفاق 18 كانون الثاني/يناير. وأشارت إلى أن الرئيس السوري أكد أن الأكراد جزء لا يتجزأ من سوريا، ويجب أن يتمتعوا بكامل حقوق المواطنة والحماية الدستورية للغتهم وثقافتهم.
وقالت: “الولايات المتحدة مستعدة أيضا لمواصلة دعم النقاشات البناءة القائمة على الاحترام بين سوريا وإسرائيل لفتح صفحة جديدة في علاقاتهما بما يعود بالنفع على الأجيال القادمة”.
سوريا
السفير السوري لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي قال إن سوريا الجديدة لا منتصر فيها ولا خاسر، بل هي “انتصار لجميع السوريين”.
وقال إن عاما كاملا من المفاوضات والحوار والجهود الدبلوماسية قوبل بالمماطلة والجمود من جانب قسد. وأضاف: “في كل مرحلة اقتربنا فيها من لحظة الحقيقة والإدماج، كنا نشهد هجمات وقصفا بقذائف الهاون وطائرات مسيرة”.
وقال إن ذلك دفع الحكومة إلى تنفيذ “عملية أمنية محدودة”، تم توسيعها لاحقا بسبب “تعنت” قسد و”تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي”.
ورحب العُلبي بالعملية التي تنفذها الولايات المتحدة لنقل معتقلي داعش خارج الأراضي السورية.
وتحدث عن الإنجازات العديدة لحكومته خلال العام الماضي، بما في ذلك إطلاق عملية سياسية شاملة، وبدء حوار وطني، وإجراء إصلاحات في القطاع الأمني، وإنشاء هيئات للعدالة الانتقالية، وإنهاء تصنيع وتصدير المخدرات، والانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش.
وقال إن “النسيج الاجتماعي الوطني السوري الغني والمتنوع قد حُفظ أيضا”، مشيرا إلى أن المسيحيين واليهود تمكنوا من الاحتفال بأعيادهم في منازلهم وأماكن عبادتهم.
كما سلط الضوء على المرسوم الرئاسي الأخير، معلنا: “هذه هي سوريا الجديدة، التي تحتضن جميع أبنائها وبناتها دون أي تمييز”.
المجموعة العربية
السفير الأردني وليد عبيدات تحدث أمام مجلس الأمن نيابة عن المجموعة العربية مؤكدا أن وحدة سوريا واستقرارها وأمنها ركيزة أساسية لأمن المنطقة بأسرها.
وحث مجلس الأمن على إلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل والفوري من المناطق التي دخلتها في كانون الأول/ديسمبر 2024، ومن الجولان السوري المحتل، والامتثال التام لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
ودعا عبيدات إلى رفع جميع العقوبات المتبقية على سوريا، وتشجيع زيادة الاستثمارات لمساعدة السوريين على “بدء مرحلة جديدة من التعافي وإعادة الإعمار والازدهار”.
كما رحب بالخطوات الوطنية التي اتخذتها الحكومة السورية خلال العام الماضي، مشيرا إلى الحوار الوطني الشامل، والإعلان الدستوري، والانتخابات البرلمانية، وتكثيف الجهود المبذولة لمكافحة تهريب المخدرات والإرهاب.
إسرائيل
سفير الاحتلال الإسرائيلي داني دانون قال إن الوضع في جنوب سوريا يؤثر بشكل مباشر على سلامة الإسرائيليين، وأضاف: “لا مكان للميليشيات المسلحة، ولا للبنية التحتية الإرهابية، ولا للأسلحة على طول حدودنا”.
وأعرب عن قلقه إزاء التقارير التي تفيد بإطلاق سراح سجناء من داعش، قائلا: “لن نقبل بأي ظروف تسمح للإرهابيين بإعادة التجمع أو التسلح أو التوسع”.
وأضاف أنه إذا كانت سوريا “جادة في بناء مستقبل مختلف”، فعليها القضاء على العناصر المتطرفة والإرهابية، وحماية الأقليات، واستعادة السيطرة على الأرض.
