شهدت المحافظات السورية خلال الأيام الأخيرة اضطراباً حاداً في التوازن بين العرض والطلب على الغاز المنزلي، نتيجة تداخل تأخيرات لوجستية في الاستيراد البحري، وضعف القدرة التخزينية، وارتفاع موسمي في الاستهلاك تزامناً مع شهر رمضان الذي جاء ضمن فصل الشتاء والأجواء الباردة.
الأزمة انعكست ميدانياً في مشاجرات خلال عمليات التوزيع في ريف درعا إلى جانب استحواذ عناصر من مفرزة تسيل على 15 أسطوانة خلال عملية توزيع بقوة السلاح، إضافة لنقص حاد في أسواق حلب ودمشق، وما كاد الأهالي في رأس العين شمال الحسكة يشترونها بسعر 130 ألف ليرة سورية لأول مرة منذ سنوات حتى اختفت من الأسواق مع عودة نشاط السوق السوداء بأسعار تفوق التسعيرة الرسمية وصلت إلى 175 في دير الزور و200 في الرقة وأكثر من 300 في بعض المناطق وخاصة المدن الكبيرة.
في بلدٍ اعتاد طوابير الخبز والوقود، ربما ليس جديدا أن نذكر بأن طوابير المنتظرين استطالت كثيرا أمام مراكز البيع على أمل الحصول على أسطوانة غاز منزلي بالسعر الرسمي 122 ألف ليرة.
اعتماد على الاستيراد
تؤكد الشركة السورية للبترول أن الإمدادات “مستقرة”، مدعومة بالإنتاج المحلي والاستيراد البحري والبري.
وتشير بياناتها إلى وصول شحنات متتالية إلى مصب بانياس، بينها ناقلة GAS HUSKY بحمولة تقارب 2800 طن، وناقلتا GAZ MILANO وMARKO MARULIC بإجمالي يتجاوز 6700 طن، كما أعلنت عن تفريغ 4000 طن إضافية منتصف شباط.
وفق مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة صفوان الشيخ أحمد، يبلغ الإنتاج المحلي نحو 110 أطنان يومياً من معملي إيبلا والمنطقة الوسطى، بدعم من حقول جبسة وشاعر، بينما تُقدَّر الحاجة اليومية بنحو 1700 طن، أي ما يعادل 170 ألف أسطوانة.
الفجوة (1590 طن يومياً تقريباً) تُسد عبر الاستيراد، في ظل تراجع الطاقة الإنتاجية التاريخية لمعالجة الغاز، خصوصاً بعد خروج وحدات أساسية عن الخدمة خلال سنوات الحرب، ما يعني أن أكثر من 90% من الطلب يُغطّى عبر الاستيراد.
وتؤكد وزارة الطاقة السورية أن إعادة تأهيل الحقول والمنشآت تسير وفق خطة تمتد لثلاث سنوات، بعد “استعادة عدد كبير من الحقول” من سيطرة القوات الكردية (قسد)، وأن التعاون الإقليمي – ولا سيما مع تركيا – يشمل الغاز والكهرباء ومشاريع التنقيب البحري والبري.
العوامل المؤثرة في الأزمة
بين البيانات الرسمية والشارع مسافة شاسعة، فالسوق السورية تعتمد عملياً على التوريد الفوري، في ظل ضعف القدرة التخزينية وغياب احتياطيات استراتيجية كافية، أي تأخر في تفريغ ناقلة، بسبب سوء الأحوال الجوية أو اختناقات لوجستية، يتحول مباشرة إلى نقص في الأحياء.
بحسب الصحفي الاقتصادي علي الخلف، أزمة الغاز في سوريا نتاج تداخل معقد بين عوامل طارئة وأخرى بنيوية مزمنة.
وقال في تصريح لموقع “دجلة” إن أسباب أزمة الغاز تتشابك بين تحديات طبيعية طارئة ومشكلات هيكلية مزمنة، حيث يلعب سوء الأحوال الجوية دوراً مباشراً في تأخير وصول وتفريغ ناقلات الغاز في الموانئ، وهو ما يتفاقم بسبب ضعف القدرة التخزينية التي تجعل السوق السورية تعتمد على التوريد المباشر دون وجود احتياطيات استراتيجية كافية لمواجهة الأزمات.
وأشار إلى ارتفاع الضغط على المادة حالياً بسبب زيادة الطلب خلال شهر رمضان، في وقت تعاني فيه المصبات النفطية من بنية تحتية متهالكة لم تعد قادرة على استيعاب الاحتياجات المتزايدة، ومازال الإنتاج المحلي من الحقول المستعادة في طور إعادة التأهيل، بعيداً عن تحقيق الاكتفاء الذاتي.
ويخلص الخلف إلى أن المعالجة تقتضي بناء خزانات استراتيجية كبيرة لضمان استقرار الإمداد عند تعثر الشحن البحري، وتنويع مسارات الاستيراد لتشمل النقل البري من الدول المجاورة كخيار أسرع في حالات الطوارئ، إضافة إلى تسريع الاستثمار في الحقول الغازية المحلية بالشراكة مع شركات دولية لرفع الإنتاج الوطني على المدى الطويل.
إجراءات حكومية لاستعادة الثقة
لمعالجة الأزمة، اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات إلى جانب تعزيز الواردات البحرية وتسريع التفريغ ودعم الاستيراد البري اليومي، حيث أكدت معامل التعبئة، ولا سيما في عدرا، العمل بكامل الطاقة الإنتاجية، مع إمكانية رفع الإنتاج إلى 70–80 ألف أسطوانة يومياً عند استقرار التوريدات.
كما أُطلقت خطة توزيع عبر سيارات جوالة في دمشق (نحو 175 سيارة بمتوسط 300 أسطوانة لكل سيارة، مع إضافة 300 سيارة لريف دمشق) لتقليل الازدحام أمام المعتمدين.
في درعا، أعلنت المحافظة أن محطة غرز تنتج بين 11 و12 ألف أسطوانة يومياً، مع توقع تحسن خلال أسبوع.
وفي دير الزور، استؤنف التوريد بعد ضغط على معمل “سادكوب”، الذي يغطي ثلاث محافظات هي دير الزور والرقة والحسكة، وتحدث سكان مدينة الرقة عن انخفاض في سعر جرة الغاز المنزلي من 200 ألف إلى 125 ألف ليرة بعد تنظيم الشركة السورية للبترول عملية توزيع الأسطوانات، ما يسهم في الابتعاد عن خطر استخدام البنزين المكرر في مواقد الطبخ نتيجة عدم وجود الكاز.
وصل فهد في الصباح الباكر إلى مركز توزيع الغاز في ساحة المركز الثقافي وسط الرقة بقي ينتظر حتى عصر اليوم ليحصل على أسطوانة غاز واحدة، فالأمور تسير ببطء مع أن التوزيع يتم عبر إبراز البطاقة العائلية.
ولفت إلى أن الأسعار بالسوق السوداء غالية، مشيرا إلى رفض تبديل الأسطوانات الزرقاء الفاتحة بتهمة أنهن “قسديات”.
نفذت مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك حملات تفتيش في عدة محافظات لضبط مخالفات الامتناع عن البيع في مدينة منبج على سبيل المثال، والبيع بسعر زائد، والتعبئة غير النظامية، وشددت وزارة الطاقة السورية على اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين لضمان الالتزام بالتسعيرة الرسمية (122 ألف ليرة للأسطوانة).
في النهاية، لا تختصر أزمة الغاز في رقمٍ أو ناقلة، إنها اختبار لقدرة الدولة السورية الجديدة على تحويل “استعادة حقول الجزيرة” إلى استقرار ملموس في حياة المواطنين، فبين وصول السفن إلى موانئ الساحل ووصول الأسطوانة إلى مطبخٍ في درعا أو حلب او دير الزور، سلسلة طويلة من الأعطال المحتملة يمكن أن تكون أصل أزمة جديدة.
