✍ بقلم
محمد العلي
◆
محمد العلي

لم يعد الخلاف في الحسكة على اللغة الكردية والمناهج المدرسية منفصلاً عن مستقبل الجامعات، وملف المعتقلين وعودة النازحين، وشكل السلطة الأمنية والإدارية في المحافظة. فبعد أشهر من توقيع اتفاق الدمج بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تتراكم ملفات عالقة، بينما يتواجه في الشارع أنصار المشروعين السياسيين اللذين يُفترض أن يديرا المرحلة الانتقالية بعيداً عن الاستقطاب القومي.

نرى اليوم تطور ما بدأ احتجاجاً على حصص تدريس اللغة الكردية إلى توتر خطير، بعد أن قابله حراك يطالب ببسط سلطة الدولة ورفع علم الجمهورية، في مشهد يحمل مخاطر تتجاوز المواجهة الراهنة بالشعارات والحجارة.

المشكلة ليست في المطالب، بل في عجز طرفي اتفاق الدمج عن تحويلها إلى تفاهمات تمنع انتقال الخلاف إلى الشارع.

المشكلة لا تكمن في مطالبة الكرد بالتعليم بلغتهم، أو أن السكان العرب يطالبون بإنهاء الازدواجية الأمنية والإدارية؛ فكلا المطلبين قابل للنقاش على طاولة «الاندماج» بين الحكومة وقسد ضمن دولة واحدة، لكن المشكلة أن طرفي اتفاق دمج مؤسسات الدولة يُفترض أن ينقلا هذه المطالب إلى طاولة المفاوضات، ما يعني أن الوفد الرئاسي ولجنة قسد للمفاوضات لم ينجحا بعد في التوصل لاتفاق يمنع تحول الملفات العالقة إلى تنازع في الشارع، وبالتالي إلى توتر ومواجهات، والمفترض أن الاتفاق يرسم خارطة طريق لتجنب هذه الألغام.

إذن، فالمسؤولية مشتركة بين الحكومة السورية والجهات المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي، في الكف عن إقحام الشارع في خلافاتهما، رغم أنه لم يكن جزءاً من اتفاقهما.

لا يمكن قراءة تصاعد التوترات في مدينة الحسكة في 4 من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 باعتباره امتداداً تلقائياً لمظاهرات «الجمع الثلاث»، ولا لخلاف تربوي بدأ في آب الماضي حول مناهج «الإدارة الذاتية»، لأن قرار الحكومة بقبول استمرار تدريس المناهج الكردية للصفين التاسع والثالث الثانوي يوحي بعكس ذلك، رغم الانتقادات المتعلقة بعدد الحصص الدراسية بالكردية، والتي كان يمكن أن يُضاف إليها، على سبيل المثال، تدريس مادة «ثقافية كردية» كاملة.

فالخلاف قائم منذ بدء تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/يناير بين الحكومة السورية وقسد لدمج المؤسسات العسكرية والإدارية، ولهذا، شهدت المحافظة توترات واحتجاجات متكررة وصل بعضها إلى مراحل خطيرة، وبالتأكيد، فإن أبرز الأمثلة على ذلك مظاهرات تشرين الأول، التي طالبت بتعزيز حضور الدولة وبسط سلطتها ورفع علم الجمهورية، وهي مطالب تبناها محتجون من المجتمع العربي، الذي عانى من التمييز العنصري والظلم على مدى عشر سنوات تحت إدارة «الاتحاد الديمقراطي»، لكنها أيضاً تتطابق مع ما تعمل عليه الحكومة.

في المقابل، استمرت الاحتجاجات الكردية المتعلقة باللغة والتعليم، مع المطالبة بتوسيع تدريس الكردية وعدم حصرها بثلاث حصص أسبوعياً، وصولاً إلى المطالبة باعتمادها لغةً للتعليم والاعتراف بها دستورياً.

ثم جاءت قرارات مجلس التعليم العالي بدمج جامعة «روج آفا» في القامشلي بجامعة الفرات، وجامعة كوباني بجامعة حلب. أُقرت القرارات في 18 تشرين الأول، وأعلنت الوزارة تفاصيلها في 27 تشرين الأول، قبل أن تعود في نهاية الشهر الماضي لتوضح ترتيبات التنفيذ وتسوية أوضاع الطلاب والكوادر، ما أثار موجة جديدة من الاحتجاجات، حيث اعتُبر الدمج تقليصاً لاستقلال المؤسسات التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية، بينما يمثل، من وجهة نظر الحكومة، توحيداً للمرجعية الأكاديمية وإنهاءً لازدواجية المؤسسات الجامعية.

القوى المرتبطة بالإدارة الذاتية وحزب الاتحاد الديمقراطي تتحمل مسؤولية الانتقال من إدارة الأمر الواقع إلى قواعد العمل المؤسسي، فالمطالب المتعلقة باللغة والتعليم والتمثيل المحلي لا تفقد مشروعيتها عندما تُطرح على طاولة التفاوض، ولا تصبح أكثر شرعية بمجرد نقلها إلى الشارع وتعطيل المدارس أو الضغط على المؤسسات.

ومن المهم هنا التمييز بين حزب «الاتحاد الديمقراطي»، الذي ليس طرفاً في الاتفاق رسمياً، إذ وُقّع الاتفاق بين الحكومة وقسد، لكنه الطرف الكردي الأهم فعلياً، كما أن بعض أنصاره يعرقلون تنفيذ الاتفاق، وتطلق عليهم الحكومة وأنصارها تسمية «الشبيبة الثورية»، تحاشياً للتعميم.

وبناءً على ما سبق، لا يمكن مطالبة السكان بالاطمئنان إلى عملية الدمج فيما تعيش آلاف العائلات في المخيمات ومراكز الإيواء، ولا يعرف بعضهم مصير أبنائهم، أو يشعرون بأن ملف العدالة يجري التعامل معه باعتباره ورقة تفاوض بين القوى المتنافسة.

الأكثر حساسية في التطورات الأخيرة هو ظهور احتجاجات متقابلة في مدينة كانت التوترات السياسية والأمنية فيها تُدار غالباً عبر قوى منظمة ومؤسسات متنافسة، مستغلةً وجود أسباب كثيرة تدفع مجموعات من السكان إلى التعبير عن غضبها، كما حصل خلال احتجاجات على الاعتداء على العائدين إلى رأس العين واحتجاجات على إهانة علم الجمهورية ثم المطالبة بفرض سيطرة الدولة والإفراج عن المعتقلين وعودة النازحين … إلخ. وهذه مطالب لا خلاف عليها شعبياً.

وفي الاتجاه المقابل، فإن المطالبة بالتعليم باللغة الأم لا يمثل بحد ذاتهما تحدياً لسيادة الدولة، لكن تحويل الاحتجاجات التعليمية إلى ضغط على المدارس والمديريات من قبل مجموعات من أنصار «الاتحاد الديمقراطي» يطرح سؤالاً عن حدود العمل الاحتجاجي ومسؤولية الجهات السياسية القادرة على التأثير في هذه المجموعات.

والأخطر هو تفسير كل طرف احتجاج الطرف الآخر باعتباره تهديداً وجودياً لهويته ومكانته، رغم وجود مؤسسات حكومية وأجهزة أمنية بدأت الانتشار، وقوى عسكرية يجري العمل على دمجها، وتشكيلات مسلحة قائمة من المنتمين إلى كل طرف، لا تُعرف درجة اندماجهم الفعلي في المؤسسات الحكومية. لكن وجود هذه التشكيلات خارج إطار «الأمن الداخلي» أو «الجيش» يجعل أي احتكاك مدني قابلاً لاكتساب أبعاد أمنية أكبر.

وهذه النقطة بالتحديد تجعل اجتماع مسؤولي الحكومة وممثلي حزب الاتحاد الديمقراطي في مبنى المحافظة، بالتزامن مع تراشق أنصار الطرفين بالحجارة خارجه، مفارقة عجيبة، فإذا كان لدى الطرفين القدرة على الاجتماع والتفاوض، فلماذا لا تتحول المطالب التي ترفعها قواعدهما إلى بنود مكتوبة واتفاقات معلنة، بدلاً من توريط الشارع بها، وهما يراقبان من النافذة؟

فالحكومة مطالبة بألا تتعامل مع المظاهرات المطالبة بسيادة الدولة بوصفها تفويضاً مفتوحاً للتضييق على الاحتجاجات الكردية، بل بحماية المتظاهرين من الفريقين، وحماية المؤسسات الحكومية من التخريب والتعطيل، وعلى قادة «الاتحاد الديمقراطي» عدم استخدام نفوذهم لتعطيل المدارس أو فرض ترتيبات تعليمية خارج إطار التفاهم أو «اتفاق الاندماج» الذي وافقوا عليه.