اسم الكاتب وصورته
صورة الكاتب محمـد العلـي

من الحسكة إلى صفحات الصحف العالمية، حمل الكاريكاتير بالنسبة لفهد البحادي أكثر من وظيفة فنية؛ كان وسيلة للبقاء، وشهادة على زمن الثورة السورية، ومحاولة لرسم ما عجز عن قوله.

لم يكن فهد البحادي يتخيل، حين أمسك القلم للمرة الأولى، أن خطوطه الصغيرة ستسافر إلى عواصم العالم، بينما يبقى هو لسنوات طويلة أسير مدينة واحدة واسم مستعار لم يفلح في إخفاء هويته لأن أسلوبه المميز كشفه لكثيرين، فقد عبرت رسوماته الحدود، ونشرتها صحف عربية ودولية، ووصلت إلى قراء بلغات مختلفة، في الوقت الذي كان فيه صاحبها يعيش تحت وطأة الخوف والملاحقة، محاصرًا داخل منزله في الحسكة.

ولد البحادي عام 1983 في محافظة الحسكة، وبدأ ممارسة فن الكاريكاتير عام 2005، في تلك السنوات الأولى، لم يكن يبحث عن الشهرة بقدر ما كان يكتشف لغة جديدة للتعبير؛ لغة تقوم على الاختزال، حيث يمكن لخط واحد أن يحمل موقفًا سياسيًا، ولرمز صغير أن يختصر قصة مجتمع كامل.

درس الحقوق في جامعة دمشق، وعمل محاميًا، لكنه ظل يرى في الرسم مسارًا موازيًا أكثر قدرة على التعبير عن الأسئلة التي تشغله: الحرية، العدالة، علاقة الفرد بالسلطة، ومعاناة الإنسان في زمن الحرب.

تجربة الاعتقال وصيدنايا

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انحاز البحادي إلى مطالب المحتجين في الحرية والكرامة، وبدأ بنشر رسوم تنتقد النظام السوري وتدعم الحراك الشعبي، عبر عدد من المنصات العربية، من بينها الجزيرة نت.

لكن الكاريكاتير، في بلد كانت فيه الصورة تُعامل كتهديد، لم يكن الأمر مجرد ممارسة هواية لإنتاج عمل فني بل جريمة ثمنها باهظ، وربما يدفع ثمنها حياته.

اعتُقل البحادي على خلفية رسوماته ومواقفه، واقتيد إلى أجهزة الأمن، حيث تنقل بين فرع التحقيق في المزة والآمرية وسجن صيدنايا، أحد أكثر السجون السورية شهرة بسبب ظروف الاحتجاز القاسية، أمضى نحو أربعة أشهر في الاعتقال، وتعرض، وفق شهادته، للتعذيب الجسدي والنفسي، فتغيّرت ملامحه؛ خسر الكثير من وزنه، حتى إن شقيقه تعرّف عليه بصعوبة، كان الجسد يحمل آثار السجن، لكن التجربة لم تنجح في كسر علاقته بالرسم.

على العكس بات سببا جديدا للإصرار على المواجهة، فخرج فهد بقناعة أكثر رسوخًا بأن الكاريكاتير والتعبير عن الأحداث بالرسم وثيقة بصرية تحفظ ما يحاول عنف المستبدين محوه.

أحمد رحمة اسم مستعار

بعد الإفراج عنه، أراد الفنان رغم القيود الأمنية ممارسة هوايته واكمال رسالته هذه المرة بقناعة أكثر رسوخا، لكن الظهور باسمه الحقيقي أصبح يحمل مخاطر جمة له ولعائلته، لذلك، ولعدة سنوات، نشر أعماله تحت اسم مستعار هو “أحمد رحمة”.

كان الاسم المستعار حماية، لكنه كان أيضًا رمزًا لمرحلة كاملة عاش فيها الفنان انفصالًا قسريًا بين عمله وهويته؛ كانت رسوماته معروفة، لأن الأسلوب المميز كان يفضحه، وبينما كانت لوحاته تنتشر في الصحف والمنصات، ظل هو بعيدًا عن الضوء، داخل منزله في الحسكة، يراقب كيف تسافر أعماله إلى أماكن لم يستطع الوصول إليها.

والحال هكذا، أنتج البحادي مئات الرسومات التي تناولت الاستبداد والحروب واللجوء وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية نشرت في عدد من الصحف والمنصات العربية، بينها الجزيرة نت، العربي الجديد، القدس العربي، الشرق، البنينسولا، ومدونة العرب.

المفارقة، أن هذه الصحف القادرة على شراء أعمال الكاريكاتير التي ينتجها، سواء العربية أو الغربية، غالبًا ما تبحث عن القضايا الأكثر حضورًا في النقاش العالمي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية في تغطية الشرق الأوسط وأحيانا التطورات الكبيرة في السودان واليمن وبصورة أقل سوريا، هذه طبيعة السوق الإعلامية الدولية لها أولويات، وهكذا وجد البحادي نفسه يرسم عن معاناة الفلسطينيين واليمنيين والسودانيين وقضايا إنسانية أخرى بعدد يفوق ما رسمه عن المأساة السورية نفسها.

وزيادة على ذلك؛ فالفنان القادم من الحسكة، المدينة الواقعة في قلب الجزيرة السورية، والتي كانت من أكثر المناطق تأثرًا بالانهيار الاقتصادي وتداعيات الحرب وتعدد القوى المتصارعة، لم يكن دائمًا قادرًا على منح المكان الذي ينتمي إليه المساحة التي يستحقها في أعماله.

لكن الحسكة بقيت حاضرة في تجربته، باعتبارها المكان الذي تشكلت فيه ذاكرته الأولى ولا يقدر على تجاوزه.

الوصول إلى الصحافة العالمية

وصلت أعمال البحادي إلى فضاءات تتجاوز العالم العربي، ونشرتها منصات وصحف أوروبية ودولية، بينها صحيفة لوموند الفرنسية التي نشرت عددًا من أعماله، في اعتراف بقيمة الكاريكاتير كأداة صحفية وفنية قادرة على تجاوز الحدود.

بعد سقوط نظام بشار الأسد، تمكن البحادي من استعادة حقه في التوقيع باسمه (فهد البحادي)، وزيارة دمشق للمرة الأولى بعد أكثر من عقد من الزمن؛ زيارة حملت معنى رمزيًا لفنان كان قد غادر العاصمة وهو يحمل أسئلة، وعاد إليها بعد سنوات وهو يحمل أرشيفًا من الألم والرسومات.
لم يقتصر حضور البحادي على الصحافة، بل أصبح جزءًا من شبكة الكاريكاتير العالمية، فهو عضو في منظمة Cartooning for Peace، وعضو في منصة Cartoon Movement الهولندية، كما اختير عضوًا في المعهد العالمي للكاريكاتير في بولندا.

ويتولى حاليًا رئاسة FECO Syria، ممثلًا لرسامي الكاريكاتير السوريين ضمن الاتحاد الدولي لمنظمات رسامي الكاريكاتير (FECO)، في موقع يعكس حضوره المهني ودوره في تمثيل فناني الكاريكاتير السوريين ضمن المشهد الدولي.

وحصل خلال مسيرته على عدد من الجوائز والتكريمات، من أبرزها المركز الأول في مسابقة FECO Africa بالمغرب عام 2025، والجائزة الخاصة في المسابقة نفسها عام 2024، إضافة إلى جائزة محمود كحيل للإنجاز في فن الكاريكاتير لعام 2026، وترشيحات وجوائز وشهادات تقدير أخرى في مسابقات ومعارض دولية.


يمتلك فهد خبرات متعددة تتجاوز الكاريكاتير؛ فهو يعمل في التصميم الغرافيكي، والرسوم المتحركة، ورسم قصص الأطفال، وتحرير الفيديو، لكن الكاريكاتير بقي مركز تجربته، لأنه بالنسبة إليه ليس مجرد فن ساخر.


لا تنفصل تجربة فهد البحادي الفنية عن تجربته الإنسانية. فالاعتقال، والتعذيب، والتضييق، والمنع من ممارسة مهنته، لم تكن أحداثًا عابرة في حياته، بل تحولت إلى جزء من رؤيته الفنية، وإلى دافع لمواصلة الدفاع عن الحرية وكرامة الإنسان عبر الرسم، فالكاريكاتير بالنسبة إليه ليس مجرد فن ساخر، بل وسيلة للتوثيق، والمساءلة، وإبقاء الذاكرة حيّة.

ورغم كل ما واجهه خلال مسيرته، لا يزال الفنان السوري يرى في الكاريكاتير لغة عالمية تتجاوز الحدود واللغات، مؤمنًا بأن رسمة واحدة قد تختصر قصة شعب، وقد تبقى شاهدًا على مرحلة كاملة من التاريخ، ولذلك يواصل اليوم نشر أعماله في الصحافة العربية والدولية، واضعًا ريشته في خدمة الإنسان، ومدافعًا عن قيم الحرية والعدالة أينما كانت.

أنظر أيضا لوحاته باسم “أحمد رحمة”: حرية التعبير عن الرأي – دجلة