في رواية قلوب على الأسلاك للكاتب عبد السلام العجيلي، كان مشروع التلفريك في دمشق حلم أبطالها بتحرك العربات المعلقة –بين جبل قاسيون وساحة الأمويين، حاملةً معها رؤيتين متناقضتين، الأولى شاعرية يمثلها طارق عمران الذي رأى في المشروع “قصيدة هندسية”، وبراغماتية لعمه عبد الحميد الذي اختزله في حسابات الربح والخسارة فبذل جهده للفوز بالمشروع رغم البيروقراطية المرهقة وبعد مركز الفرار بالقاهرة زمن الوحدة مع مصر.
في الرواية، الصادرة عن طريق دار الأهلي للنشر والتوزيع والطباعة في عام 1974 لم تمنح هذا الحلم فرصة الاكتمال، فرغم الصراع بين رجال الأعمال أو الشركات العربية والأجنبية للفوز به انتهى المشروع إلى “خرائط مهجورة في أدراج المكاتب”، وبقيت قلوب الجميع “على الأسلاك” بسبب عدم استقرار البلاد سياسيا وتحكم بعض الفئات بالقرار الاقتصادي قبيل بدء مرحلة “الاستيلاء” على أملاك “البرجوازية” و صعود أفكار التأميم.
اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، يعود المشروع ذاته تقريباً إلى الواجهة عبر “رحلة قاسيون” الذي أعلنته محافظة دمشق 21 نيسان 2026، أي بعد ستة عقود من “الانفصال”، والحكومة السورية الجديدة تبدو متحمسة وتعمل ما بوسعها لتجاوز كل التعقيدات في محاولة للإسراع بإنجازه قبل أي مشاريع أخرى مهما كانت الملحة كمشاريع تطوير المواصلات (ترام، مترو، طرق..) لتخفيف الزحام هذا عدا عن المشاريع الضرورية بالقطاعات الأخرى.
تحوّل مشروع “التلفريك” في “رحلة قاسيون” إلى جزء ضمن حزمة ترفيهية واسعة، أهمها مطاعم ومقاهي، ثم مسارات، ومدرجات، وأكشاك ومنشآت ترفيهية…الخ، وكان في الرواية “المركز” الذي تدور حوله الأحداث؛ وكأن وجهة نظر عبد الحميد عمران وتصوراته الاقتصادية البحتة انتصرت على رؤية طارق الجمالية رغم أنها ترفع شعار “تحسين وجه العاصمة”.
من زاوية أخرى، يبدو أن شبح الرواية لا يزال حاضراً في التفاصيل الأقل وضوحاً، في “قلوب على الأسلاك”، كان التعثر نتيجة تضارب المصالح وتعقيدات القرار المركزي، أما اليوم، فرغم الحديث عن نسب إنجاز متقدمة تصل 80 بالمئة ورؤية وطنية، لا تزال الأسئلة الجوهرية قائمة: من يمول؟ من ينفذ؟ وما هي الكلفة الحقيقية؟ وما الأضرار الجانبية على المدينة و جبلها “المقدس”!
فالانتقال من بيروقراطية معقدة تعثرت بسببها “الصفقة” التي كانت تسعى إليها شركة “عمران” بأي وسيلة إلى مرونة غير شفافة تغلف بمفردات “البصمة السورية” و”المشروع لكل الناس” لأنه سيوفر آلاف فرص العمل، مع تخصيص نحو 70% من مساحاته للاستخدام المجاني للسكان بالتأكيد هي الحدائق و الممشى.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن “رحلة قاسيون” تحمل وعداً مختلفاً، فالجبل الذي كان، في مراحل طويلة، فضاءً مغلقاً ومشحوناً بالرمزية الأمنية والعسكرية لنظام الأسد، يُعاد تقديمه اليوم كمساحة عامة على الأقل من وجهة نظر الحكومة وهي ليست بالضرورة مطابقة لما يفكر به المستثمر الباحث عن الأرباح.
الإقلاع عن فكرة انشاء “التلفريك” بالرواية بسبب التحولات السياسية يؤكد أن المشاريع الكبرى ممكنة التنفيذ فنيا، لكنها تحتاج بيئات مستقرة سياسياً و إدارياً وكل هذا واضح في تصرفات الحكومة الحريصة على الابتعاد عن التوتر واستعداء أي جهة بما يضمن استقرارا طويل الأمد تسعى إليه لكن الظروف السياسية والاقتصادية هي من سيحسم ما سيكون عليه الوضع مستقبلا.

