اسم الكاتب وصورته
صورة الكاتب محمـد العلـي


أقراص مصفوفة على صينية معدنية واسعة على سطح منزل في ريف الرقة ، لا شكل هندسياً صارماً يجمعها ولا مسافات دقيقة، فكل قرص يحمل بصمة الكف التي شكّلته من مجروش القمح المعجون مع اللبن المخثر و الملح،

وستنتهي بعد أيام من التجفيف تحت الشمس، طعاماً يُدَّخر لأشهر الشتاء الباردة: إنه «الكِشك».

وبالتأكيد، «الكِشك» الذي تصنعه ربات البيوت في الأرياف هنا ليس هو المسحوق المعلب الذي يباع في المتاجر؛ فهنا تبدأ الحكاية من القمح واللبن والملح ثم يشكل على أقراص مجففة، وتحفظ على حالها دون طحن حتى يأتي وقت الطبخ فتحل بالماء الفاتر فتذوب لوحدها.

في قدر متوسط الحجم (قدرية) تُحضّر «خولة العواد»، كمية الجريش، وإلى جانبها سطل  لبن أبيض بكامل دسمة وقشدته سيضاف إليه تدريجياً، قبل أن تبدأ مراحل الخلط والتحريك والتخمير، ثم تشكيل الخليط على هيئة أقراص تجففها شمس صيف الرقة، وتحفظ على حالها حتى يأتي وقت طبخها في الشتاء.

فبعد انتهاء موسم الحصاد يخزن المزارعون بعض القمح كمأونة للأسرة؛ قسم يُطحن ليصبح طحيناً للخبز، وآخر يتحول إلى برغل أو شعيرية، فيما يُجرش جزء منه لإعداد أكلات ريفية اعتادت العائلات الاحتفاظ بها لأشهر الشتاء، ومن بين هذه المؤن الكِشك.

وتقول السيدة خولة إن إعداد «الكِشك» يبدأ بكمية قليلة من الجريش، يضاف إليها اللبن تدريجياً، ثم يُحرّك الخليط حتى تبدأ مكوناته بالتماسك، مشيرة إلى أنه بعد وصول الخليط لقوام معين يجري تحويله إلى أقراص صغيرة تُنشر تحت الشمس، وتُقلب على وجهيها لأيام لتسريع عملية التجفيف، رغم أن “شمس القيظ الحادة بالرقة قادرة على تجفيفه” حتى مع تغطية «الصياني» بالناموسيات لحمايتها من التلوث.

أما عملية الطبخ وفق السيدة خولة، فتبدأ بـ «تودين الكشك» أي نقعه بالماء وتركه لمدة ساعتين أو أمثر حتى يطري، ثم يُفرك جيداً باليد حتى تذوب حباته بالكامل، وبعدها يُوضع على النار مع استمرار التحريك، إلى أن نحصل على “شوربة كِشك” دافئة في صباحات الشتاء الباردة، أو يُقدّم ساخناً إلى جانب خبز التنور المحمص أو خبز الصاج.



مكونات الكشك - دجلة

تعددت الطرق والكشك واحد

يرتبط «الكشك» بطبخة «الفُوّرة» في دير الزور، حيث تطهى أقراص الكشك مع اللوبيا والثوم والسمن، والطرق كثيرة، كما يقال بالمثل الشعبي «مثل الكشك»، أيضا بالحسكة، «الكشك» يستخدم في تحضيره جريش الحنطة (القمح) مع اللبن الحامض المعروف بـ«الخاثر».

 وتصف السيدة «أم عبد الرحمن» وهي تحضر الطبخة أن العملية تستغرق أياماً من الخلط والتخمير والتجفيف، قبل أن تصبح الأقراص جاهزة للتخزين أو للطبخ، موضحة أنها تستخدم الحنطة القاسية ( قمح صنف قاس)، تُجرش ثم تُخلط بكمية قليلة من الخاثر، قبل إضافة المزيد تدريجياً مع التحريك المستمر، حتى يتماسك الجريش واللبن معاً فتبدأ مرحلة تشكيل الأقراص.

الأقراص تُعلّق بالخيوط لاستكمال تجفيفها وتخزينها، وفق «أم عبد الرحمن»، التي تقول إن تحضير الطبخة يبدأ بنقع الأقراص منذ الصباح في ماء فاتر حتى الظهيرة، ثم تُفرك باليد لنحو ربع ساعة، قبل وضعها على النار وتحريكها باستمرار حتى الغليان، حتى لا يحترق وتستمر العملية إلى أن يكتسب لونه البني الفاتح.

ويُضاف إليه، بحسب الرغبة، البصل المقلي بالزيت أو السمن، فيما يمكن وضع البصل من دون قليه أيضا.


الطُّعمة

«إحنا لازم نطعِم الجيران منها»، تقول «أم عبد الرحمن» وهي تحرك الحساء داخل “القدرية” المركبة على “بابور” الكاز في مطبخا، مشيرة إلى أن هذه الطبخة التقليدية تطبخ بطرق مختلفة من محافظة لأخرى.

منظمة الأغذية والزراعة FAO تصف «الكِشك» بأنه منتج تقليدي في سوريا والشرق الأدنى، أساسه الحليب أو اللبن والقمح المجروش، ويُحضّر تقليدياً في نهاية الصيف ليُستهلك خلال العام، إذن يرتبط الكشك بتقليد غذائي مشرقي قديم لحفظ الحبوب ومنتجات الحليب بالتخمير والتجفيف.

وتكشف شهادات سيدات من الرقة والحسكة عن خصوصية محلية في إعداد الكشك: فالأقراص، في هذه الطريقة، تُحفظ كاملة بعد تجفيفها، ولا تُطحن لاحقاً، بل تُعاد إلى القدر في الشتاء بعد نقعها بالماء الفاتر، لتستعيد قوامها وتتحول إلى وجبة ساخنة.

وأوضحت «أم عبد الرحمن» إلى أن نصيب الجيران من طبخة «الكِشك» يطلق عليها «الطُّعمة»، وهي تقليد اجتماعي محلي، حيث ترسل ربة المنزل «صحن» فيه جزء من طختها المميزة، مشيرة إلى أنهم عادة يطبخونها بكميات كبيرة ويرسلون إلى أكثر من جار جزء منها.