يسير خبباً، ينظر إلى ساعة هاتفه، ويضع قدمه بانتباه خشية التعثر بحجارة الطريق الناتئة. تزعجه لزوجة العرق في حذائه المتهرئ أثناء اندفاعه بين غابة الناس. يتوقف أمام منهل الماء، ويستخدم كفه ليشرب، ثم يحثّ السير من جديد تحت ظل العرائش في نهاية شارع القيمرية.
يدفع باب المطعم، يلقي التحية على زملائه، ثم يصعد الطابق العلوي (التراس) بعد تثبيت اسمه في ورقة الدوام. لم يصل زميله في البوفيه بعد. يحدث نفسه بقلق:
نايف: تأخر رامي… أرجو أن يكون بخير. لا… لا… قد يكون السبب التفتيش على الحواجز الأمنية.
يسرع بتجهيز البوفيه؛ فيرتب أكواب الماء على يمينه في الرف السفلي، وأكواب العصير أمامه على بلاطة البار، وأما أكواب البيرة فيودعها البراد. ثم يملأ السخان بالماء ويوصل الكهرباء.
يفاجئه الكابتن ميشيل:
ميشيل: ألم يصل رامي بعد؟
نايف: لا… لا.
ميشيل: كن حذراً. لا أريد لأحد أن يفتح باب السطح، ولا حتى أن يصعد أحد لأعلى… المعلم هون رح يتعشّى.
يهز نايف رأسه بالموافقة: كما تريد.
ينهي ما بيده، ثم يجلس قبالة النافذة المطلة على شارع القيمرية القديم، يراقب المارة. يفتح في ذهنه أحاديث طويلة مع رامي حول الدراسة وظروف العيش التي أجبرت كلّاً منهما على العمل في هذا المجال؛ فالصحافة والمسرح كلاهما من الإعلام. وتدور هذه الأحاديث أيضاً أثناء استقبال طلبات الزبائن.
سأله رامي، بروحه المرحة، عند قدومه إلى دمشق فارّاً من ملاحقة الصحفيين والناشطين من قبل الأمن والأحزاب التابعة والمتعاملة معهم في القامشلي:
رامي: من أين أنت؟ ماذا تعمل؟
نايف: صحفي من القامشلية.
انفجر وقتها رامي في القهقهة، وانتظر طويلاً سؤال نايف المعاكس؛ لكنه لم يأتِ. فبادر:
رامي: أنا من رنكوس. أدرس المسرح، وعشت طفولتي في التضامن، ثم انتقلت بعد زواجي إلى جوبر.
سأل نايف باهتمام: ولمَ جوبر وليس التضامن؟ لماذا؟
هز رامي رأسه، وأطلق تنهيدة عميقة تنبئ عن ألم عتيق:
رامي: درست فيها، وعشت طفولتي، ولكن لم أحبها يوماً.
نايف: لمَ؟
يجدد تأففه وآهاته، ويشرع في التفصيل:
أصبحت في الصف الثالث الابتدائي، وبدأت أتباهى في الحي أني أستطيع الكتابة والقراءة؛ فأقرأ اللافتات وأسعار الخضار في محلات الباعة وأسمائها. ولم يكن أحد يسلم من سخريتي وتهكمي ممن حولي، لكن جسمي النحيل كان يجعلني عرضة لمطاردتهم وشتائمهم المقذعة. لم أتورع عن إزعاجهم بحركات ومقالب تفوق سني كثيراً، وكان عبثي هذا يشحذ فضولي أيضاً.
في تشرين الثاني من عام 1991، بدأت التحضيرات للاحتفال بانقلاب حافظ الأسد، أو كما سُمّيت “الحركة التصحيحية” — وأسميها أنا “الحركة التوسيخية” التي وسّخت الحزب والدولة والمنطقة برمتها.
اعتقدنا أنا وصديقي حيدر أن هذه الصور التي تزين الشوارع والمدرسة وحتى المساجد إنما هي صور “الرب”، لذا قررنا أن نتسلل إلى المدرسة عبر السور عقب الدوام ونأخذ صورة نزين بها المنزل ونباركه. وبالفعل، أمسينا داخل المدرسة. وما إن مدّ حيدر يده إلى إحدى الصور حتى سمعنا صوت الحارس يعوي ككلب أغنام:
— ولاك… كلاب!
فأطلقت ساقاي للرياح، وكذا فعل حيدر، ونجحنا بالفرار.
أدركت أن الحارس عرفنا، وأنه سيخبر أهلي. فأضعت النهار في الحارات ألعب وألهو مع أترابي. وفي نهاية المطاف عادت بي ساقاي إلى باب المنزل. وما إن وضعت قدمي في مدخل البناء، حتى انقضّ عليّ رجال الشرطة كما ينقض الهر على فأر تجرأ عليه. جرّوني، وضربوني، ولم أرَ شيئاً لشدة ما بكيت.
ناديت: أخي سعيد؟… لكني وجدته قد سبقني إلى قسم شرطة اليرموك.
أدخلوني إلى غرفة، وشرعوا بضربي ورفسي وشتمي إلى سابع جد بأقذع الألفاظ، وهم يرفعون في وجهي صورة ممزقة من إحدى زواياها العلوية. قال أحدهم:
— هذا ربك؟ كيف تشق صورة الله تبعك؟
شعرت أن خدّيّ أصبحتا كتلتين، وفقدت القدرة على البكاء، وحتى عروقي جفّت منها الدماء. لم أردد إلا كلمة بالكاد تُسمع من بين الورم:
— مو أنا… مو أنا…
بعد ذلك الاحتفال المرعب، وقصائد ألقيت من قبل زبانية “الرب السفاح”، كنت قد وسّخت ثيابي من شدة الخوف.
شدّني أحدهم إلى الخارج، حيث كان أخي يتوسل ويقبّل أيديهم:
— ولد يا سيدي… ولد صغير…
لكنهم لم يتوقفوا. كان الضابط يقلب صفحات كتاب كبير، ويطلب من سعيد أن يبصم. ومع كل صفحة، كان إصبعه المرتجف يهبط عليها. صفحةً بعد أخرى، حتى بدا أن لا نهاية لهذا الكتاب.
ارتميت في حضن أخي، فضمني كما لو كان يريد عصري. كنت أنشج بالبكاء، وسمعت آخر جملة:
— يلّا، خذ كلبك وروح… انقلع!
يقطع صوت الرصاص الكثيف أمام مدخل المطعم أفكار نايف. يتردد في النظر من النافذة. وبعد قليل، يهدأ الصوت.
يسمع أحدهم يصرخ:
— بسرعة… بسرعة… احملوه!
يتشجع، ويلقي نظرة.
رامي مسجّى على حجارة الشارع السوداء، غارق في بركة من الدماء.
في لحظة، رُفعت الجثة، وغُسل الشارع، وغاب رامي.
لكن رائحة الدم ما زالت عبقة.
