أعلنت سوريا وفرنسا، الثلاثاء، إطلاق مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، الأولى لرئيس فرنسي منذ 18 عاماً، والتي شهدت توقيع حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية والصحة والقطاع المالي.

ووصف الرئيس السوري أحمد الشرع الزيارة بأنها “علامة تاريخية فارقة”، وقال خلال مؤتمر صحفي مشترك مع ماكرون في قصر الشعب بدمشق، إنها “تتوج مساراً من العمل المشترك الهادئ والعميق”.

وأضاف الشرع أن سوريا “تفتح أبوابها اليوم بشراكة متكافئة وجسر تواصل حيوي لا غنى عنه بين الشرق والغرب”، مؤكداً أن دمشق تعمل على استكمال مسار الاندماج الوطني وبناء علاقات اقتصادية قائمة على المشاريع والاستثمارات.

وقال الشرع إن المباحثات مع الجانب الفرنسي أثمرت عن “رزمة استراتيجية من الاتفاقيات والعقود مع كبرى الشركات الفرنسية”، موضحاً أن المرحلة المقبلة ستتركز على مشاريع ملموسة تخدم الاقتصاد السوري وتدعم عملية إعادة الإعمار.

وأشار الرئيس الشرع إلى أن موقع سوريا الجغرافي يؤهلها للعب دور محوري في شبكات التجارة والطاقة الإقليمية والدولية، مضيفاً أن بلاده تسعى إلى استعادة دورها “كممر حيوي بين الشرق والغرب”.

وقال إن الحكومة تعمل على وضع خارطة طريق لإعادة الإعمار تعتمد على بناء بيئة استثمارية جديدة “تحكمها المؤسسات لا الاستثناءات”، وتشمل تحديث قطاع النقل الجوي، وتطوير المطارات، وتأهيل شبكات الكهرباء والمياه، ودعم القطاعات الصناعية والزراعية.

وأضاف الشرع أن الشراكة مع فرنسا تركز على مشاريع في الموانئ والطاقة والصحة والمياه والخدمات اللوجستية، داعياً الشركات الأجنبية إلى المشاركة في إعادة الإعمار عبر “شراكات حقيقية”.

اتفاقيات في النقل والطاقة والتمويل

وشملت الاتفاقيات الموقعة خلال الزيارة إطار تعاون استراتيجي في مجالات النقل البحري والجوي والخدمات اللوجستية، إلى جانب تفاهمات في قطاعات الصحة ومعالجة المياه والطاقة والتعاون المصرفي وبناء القدرات.

كما تضمنت الاتفاقات إعلان نوايا بشأن الأموال المنهوبة المرتبطة برفعت الأسد متعهدا أن بلاده ستعيد إلى سوريا أكثر من 50 مليون يورو تمثل “الكسب غير المشروع لأحد أفراد أسرة الرئيس السابق”، إضافة إلى اتفاقيات لتعزيز التعاون بين مجالس رجال الأعمال في البلدين.

وفي قطاع النقل، وقعت سوريا اتفاقيات مع مجموعة CMA CGM، حيث أعلن الرئيس التنفيذي للمجموعة رودولف سعادة إعادة تفعيل مرفأ اللاذقية، مع توقعات بإقامة شراكات إضافية في مجالات النقل البحري والجوي.

كما تم توقيع اتفاقية معدلة مع الوكالة الفرنسية للتنمية، ومذكرات تفاهم تتعلق بدعم القطاع الصحي ومعالجة المياه وتعزيز قدرات المصرف المركزي السوري.

وقال وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار إن بلاده تعمل على بناء “بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمارات الدولية”، تقوم على الشراكة مع المستثمرين، مشيراً إلى تطلع دمشق إلى دور فرنسي أكبر في مجالات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتعليم والملاحة الجوية.

ماكرون: سوريا تقع في قلب ممرات الطاقة

من جانبه، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن بلاده ملتزمة بدعم “سوريا حرة وذات سيادة”، مؤكداً أهمية وحدة الأراضي السورية واستقرارها.

وقال ماكرون خلال المؤتمر الصحفي إن “دولة القانون وحدها التي تسمح ببناء سوريا جديدة”، مضيفاً أنه لا بد من “سيطرة الدولة السورية على كل أراضيها”.

وأكد الرئيس الفرنسي أن بلاده ترى سوريا “دولة تقع في قلب ممرات الطاقة”، مشيراً إلى أن لفرنسا مصلحة في إعادة تأهيل البنية التحتية السورية في مجالات النفط والتجارة.

وأضاف ماكرون أن فرنسا ترغب في مواصلة التعاون الاقتصادي مع دمشق، خصوصاً في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية وإعادة تأهيل القطاع المصرفي.

وقال إن الروابط بين البلدين “عريقة”، وإن فرنسا تشيد بالشعب السوري الذي “أظهر للعالم أنه موحد ولا يقهر”.

وأضاف: “نقف إلى جانبكم لنكرر لكم ثقتنا بالشعب السوري وبالعمل الذي تقومون به لإحلال السلام والأمن والرخاء”، مشيراً إلى أن بلاده مستعدة للمساعدة في مجالات الأمن وتعزيز القدرات والتدريب.

تبادل السفراء وملفات الأمن والعدالة

وأعلن الشرع خلال المؤتمر الاتفاق على تبادل السفراء بين دمشق وباريس، في خطوة تعكس عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى مستوى جديد.

كما تناولت المباحثات الملفات الأمنية والسياسية، إذ أكد ماكرون دعم بلاده لجهود مكافحة الإرهاب، وقال إن الحرب على الإرهاب “صعبة”، وإن سوريا تخوضها “بكل تصميم”.

وفي ملف العدالة، قال ماكرون إنه يجب “سماع صوت الضحايا وتحقيق العدالة ومحاكمة الجلادين أياً كانوا”، مؤكداً استعداد فرنسا لمواكبة سوريا في مسار محاسبة مرتكبي الجرائم.

وتطرق الشرع خلال المؤتمر إلى الوضع في جنوب سوريا، حيث أدان ما وصفه بالانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، وطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد الثامن من كانون الأول، والعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.

وأشار الشرع إن الاستقرار الحقيقي في المنطقة يتطلب التزاماً دولياً بتنفيذ الاتفاقيات القائمة واحترام سيادة الدول.