الناس في فلم (امبراطورية غوار) كانوا يتوقون للخلاص من ظلم “الزعران” زعماء الحارتين أبو عناد الصوص وأبو جميل الطبل، ولكنهم وقعوا تحت رحمة رجال “المطهر غوار”، الذي قتل أبو عناد بعد ان أجرى له عملية جراحية.


حرض “غوار” الناس على مجابهة الطبل قبل أن يغدر بمن وقف معه ويهددهم برجال “القبضايات” السابقين اثر إطلاق سراحهم وابعاد الطبل، فكانوا سيفه المسلط على رؤوس الناس كما كانوا على عهد السابقين بل أشد وطأة بعد أن سلطهم ليراقبوا جميع السكان خشية وقوع ثورة جديدة ضده، فراح يسوّق لنفسه على أنه المنقذ والمخلص أو “محرر الحارتين”!


استطاع شبان الحارة، ممن استغلهم المتسلط الجديد في الوصول للسلطة، أن يشكلوا حراكا جديدا، لكنه سبقهم لحشد الشرعية فدرب رجاله “الزعران” ليكونوا عناصر مخفر يرأسه بنفسه، عندما نقل إليه رجاله خبر توقيع أهالي الحارة على عريضة تطالب بتأسيس مخفر لإحلال سلطة الدولة والقانون بدلا من تسلط “القبضايات”!

إمبراطورية غوار فيلم كوميديا سياسية سوري للممثل الكوميدي دريد لحام عام 1982 ، ومقتبس عن قصص للأديب السوري زكريا تامر وهو آخر أفلام المخرج السوري مروان عكاوي، يسخر من حالة الاستبداد التي تصيب من كان يسعى للتحرر من الديكتاتورية فتحول بذاته إلى ديكتاتور.

هكذا استغل كثيرون ثورة السوريين لتأسيس حارته المستقلة واطلق عليها اسما يتماشى مع أفكاره حتى أن بعضهم أطلق على سعيه للسيطرة على جزء من البلاد اسم “ثورة”-كما حصل في الشرق- رغم أن القائمين على رؤوس هذه الدويلات لم يكن يجرؤ أحدهم على الوقوف بوجه حكم آل الأسد قبل اندلاع ثورة الشعب السوري عام 2011م.

وشهدت الساحة السياسية والاجتماعية السورية تحولات كبيرة ومعقدة لعدم نجاح الثورة السورية تحقيق أهدافها المرجوة، الامر الذي يتطلب وقفة طويلة لفهم هذه التحولات العميقة والتأمل في تأثيرها المستمر.


وعمل هؤلاء المتسلطون في مناطق سلطاتهم كعمل الفيروس المتحور عن الجيل الأول من فيروسات الظلم في جسد بلادنا، فطور أسلوب الظلم والتسلط إلى أساليب أخرى مغلفة بشعارات التحرر من الظلم نفسه تاركين لبشار الأسد فرصة تأكيد ادعاءاته للشعب السوري عمليا بأن بقاءه على رأس السلطة بسوريا، هو “ضمانة” لعدم تقسيمها على أساس طائفي أو عرقي وانهيار الدولة، التي باع جميع قطاعاتها الاقتصادية والخدمية والعسكرية بـ “الجملة” لإيران بموجب عشرات الاتفاقيات الشاملة، كشفت مضامينها مؤخرا تسريبات نشرتها مجلة “المجلة” السعودية.


ترحم الناس على ظلم السابقين، يأتي من علنية الخيانة إلى جانب شيوع الفوضى والنهب والسلب واستسهال قتل الانسان في جميع “الدويلات الناشئة” على أنقاض الدولة السورية وعلى رأسها “سوريا الداخلية” بيد بشار الأسد، إضافة الى التبعية لدولة كبرى أو إقليمية للاستمرار بالمواجهة إلى النهاية دون القبول حتى بالتفاوض المباشر مع “الأطراف السورية الأخرى” للوصول إلى الانتقال السياسي المنشود، فطرف تدعمه روسيا وإيران سيفرض شروطهما وطرف تدعمه أمريكا فسيأخذ بعين الاعتبار مشروعها في المنطقة، وطرف ثالث تدعمه تركيا سيجاريها بحرف اتجاه البندقية سواء داخل البلاد أو خارجها.

وهذا يعزز استمرار المواجهة ويعيق أي محاولة للتفاوض وتحقيق التغيير السياسي، لذا تبقى الرؤية المستقبلية للوضع السوري غير واضحة، حيث يستغل بعض الفاعلين هذه التحولات لتحقيق مكاسب شخصية وتعزيز نفوذهم، وهنا يتوجب على المجتمع الدولي مراقبة هذه التحولات بعناية ودعم أي تغيير يعزز العدالة ومحاسبة المجرمين والتضامن مع الضحايا.

وينبغي أن يكون الحوار والتفاهم جزءًا أساسيًا من هذه العملية بهدف اجتياز التحديات الرئيسية في السياقين السياسي والاجتماعي أمام التعاون لتحقيق مستقبل أفضل لسوريا، مع الحذر من إعادة تدوير أي مستبد من زعماء “سلطات الأمر الواقع” الذين سيشوهون هذا المستقبل يضرون بالعدالة وهي أساس قيام الدولة.

نهاية القول إن الحكومات المرتهنة والعاجزة عن ترميم الطرق بمناطق سيطرتها لن تستطيع تمهيد الطريق نحو الحل السياسي، لأن كل واحدة منها لها ارتباط بدولة لديها شروط، وفرضت كسلطات “أمر واقع” على الشعب السوري ولا تستمد قوتها من قوة الدعم الشعبي أو منظمات تمثل الناس تمثيلا حقيقيا يدفعها لتوحيد هدفها ورص صفوفها للوصول إليه لا تمثيلا صوريا يريده المتسلط كغطاء يستر عورته به وقت الحاجة.


محمد الحسون