في قاعة محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، تعود تفاصيل الأيام الأولى للثورة السورية عام 2011 إلى الواجهة عبر شهادات شهود قالوا إنهم كانوا ضحايا أو شهوداً مباشرين على عمليات اعتقال وتعذيب وقعت في محافظة درعا، مركز الشرارة الأولى للاحتجاجات التي اندلعت ضد نظام بشار الأسد قبل عقد ونصف.

وخلال جلسات القضية، التي تنظر في اتهامات موجهة إلى عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، وحسب مقاطع نشرتها وزارة العدل السورية من إفادات شهود بعد موافقة المحكمة المختصة، تضمنت روايات عن اعتقال أطفال وشبان، ونقلهم بين فروع أمنية، إضافة إلى أحداث ليلة اقتحام الجامع العمري في درعا البلد.

ولم يصدر حكم نهائي في القضية حتى الآن، فيما ينفي نجيب، بحسب تقارير إعلامية، مسؤوليته عن الانتهاكات المنسوبة إليه.


اعتقال الأطفال بداية الثورة

تتركز إحدى القضايا الرئيسية في الملف حول اعتقالات طالت أطفالاً في درعا خلال شباط وآذار 2011، بعد انتشار كتابات على جدران مدارس في المدينة.

وقال أحد الشهود، بحسب الإفادة المنشورة، إنه كان يبلغ من العمر 15 عاماً عند اعتقاله، وإن قوة مشتركة ضمت عناصر من الشرطة والأمن العسكري والأمن السياسي وصلت إلى منزله 4 فجراً بدرعا البلد.

وأضاف أنه اقتيد أولاً إلى مخفر درعا البلد، حيث بقي نحو عشرة أيام، وقال إنه تعرض خلال فترة الاحتجاز لتعذيب أو لما وصفه بـ”الشبح والصعق الكهربائي والضرب”، موضحاً أن المحققين كانوا يريدون معرفة من يقف خلف الكتابات أو حرق الكولبات الأمنية ومن “حرّض” عليها.

وبحسب شهادته، نُقل لاحقاً إلى فرع الأمن السياسي، حيث قال إنه تعرض أيضاً للضرب والإهانات، قبل أن يُعرض على عاطف نجيب.

وقال الشاهد إن نجيب كان موجوداً أثناء إحدى مراحل التحقيق، وإنه طُلب منه كتابة على ورقة والبصم عليها رغم قوله إنه لا يجيد القراءة والكتابة، قبل أن يترك لاحقاً بعد فترة احتجاز انتهت بنقله إلى سجن درعا المركزي.


شهادة طفل سابق

وفي شهادة أخرى، قال معتقل سابق كان قاصراً في بداية الثورة: إنه اعتُقل من منزله ضمن دورية مشتركة قال إنها ضمت عناصر من الأمن السياسي والأمن العسكري والشرطة، قبل نقله إلى مخفر درعا البلد، حيث بقي نحو سبعة أيام.

وأضاف أن فترة وجوده في المخفر شهدت، بحسب روايته، تعرضه للضرب والصعق الكهربائي ووسائل تعذيب أخرى، قبل أن يُنقل إلى فرع الأمن السياسي، حيث قال إنه بقي عدة أيام إضافية وتعرض للإهانات والضرب.

وخلال إفادته، قال الشاهد إنه التقى بعاطف نجيب خلال فترة احتجازه، موضحاً أن المسؤول الأمني كان موجوداً أثناء إحدى مراحل التحقيق، مضيفا أن نجيب طلب منه كتابة عبارات للمقارنة، لكنه أخبره بأنه لا يجيد القراءة والكتابة، لافتاً إلى أن ذلك أدى، وفق روايته، إلى تعرضه للضرب والإهانات.

وقال الشاهد إن المعتقلين نُقلوا لاحقاً إلى مواقع احتجاز أخرى، قبل أن يتم تحويله إلى سجن درعا المركزي (غرز).


ليلة الجامع العمري

تتناول إحدى أبرز الشهادات ليلة اقتحام الجامع العمري في درعا البلد، وهي حادثة شكلت محطة مفصلية في بداية تصاعد الاحتجاجات.

وقال شاهد يعمل في مجال الإسعاف إنه كان في منزله بعد منتصف الليل عندما سمع إطلاق نار كثيفاً، قبل أن يتوجه إلى مديرية صحة درعا للمساعدة في نقل المصابين.

وأضاف أنه تلقى نداءات عن وجود جرحى قرب الجامع العمري، فتوجه إلى المنطقة ونقل مصابين اثنين.

وقال إن أحد المصابين كان أحمد، المعروف محلياً باسم “حميدي”، الذي أصيب بطلق ناري، وإنه نُقل داخل سيارة الإسعاف.

وبحسب الشهادة، أوقف حاجز أمني السيارة، وأنزل العناصر السائق والممرض من المركبة، وقال الشاهد إنه تعرض للضرب أثناء محاولته طلب السماح بإسعاف المصابين.


وجود عاطف نجيب

قال شاهد سيارة الإسعاف إنه رأى عاطف نجيب في منطقة دوار الكرك خلال تلك الليلة، وإنه كان برفقة عدد من العناصر الأمنية.

وأضاف أنه شاهد نجيب قرب المنطقة التي كانت تتحرك فيها القوات الأمنية، وقال إن المسؤول الأمني كان يعطي توجيهات للعناصر الموجودة هناك.

كما ذكر أن سيارة إسعاف أخرى تعرضت لإطلاق نار أثناء وجودها في المنطقة، لكنه قال إنه لم يتمكن من تحديد مصدر إطلاق النار.

في شهادة أخرى مرتبطة بالأحداث نفسها، تحدث أحد الشهود عن وصول شقيقه المصاب إلى المشفى الوطني في درعا بعد إطلاق النار قرب الجامع العمري.

وقال إنه وجد أعداداً كبيرة من الجرحى داخل أقسام الطوارئ وغرف العمليات، قبل أن يعثر على شقيقه داخل سيارة إسعاف وهو ينزف.

وأضاف أن شقيقه أخبره قبل وفاته بأنه خرج باتجاه الجامع العمري، وأن سيارة الإسعاف التي كانت تقله تعرضت لإطلاق نار، وأنه أوقف عند حاجز أمني وتم التحقيق معه.

وبحسب الشهادة، نقل سائق الإسعاف لاحقاً رواية مشابهة قال فيها إن المصاب خضع للتحقيق بحضور عاطف نجيب.


جاك الدور يا دكتور

وبحسب الشهادة، قال أحد الشهود انه اعتقل 19 شباط 2011 تعرض للتعذيب بالكهرباء وقلع الأظافر، وكان سبب ذلك عبارة “جاك الدور يا دكتور” بإشراف فرع الأمن السياسي.

داهمت قوة أمنية مشتركة منزله ليلاً بتوجيه من لؤي علي، وبرفقة نحو ست سيارات وعناصر أمنية يقودها ضابط برتبة نقيب من الأمن السياسي، مضيفا إن النقيب كان معروفاً لديه بحكم عمله السابق كنجار في مبنى جديد تابع لفرع أمني في درعا، حيث كان يلتقي بالعناصر أثناء فترة البناء.

وأضاف أن القوة اقتادته أولاً إلى فرع الشرطة العسكرية، قبل أن تُنقل وجهته إلى فرع الأمن العسكري، موضحاً أن قرار التحويل جاء بعد حديث دار، بحسب قوله، بين النقيب ولؤي العلي أثناء الطريق، قبل أن يُسلَّم إلى عناصر الأمن العسكري بالسويداء.

وأوضح الشاهد أنه نُقل إلى فرع الأمن العسكري في السويداء، حيث خضع للتحقيق حول اتهامات تتعلق بكتابة عبارات مناهضة لبشار الأسد على جدران المدارس، وقال إنه رفض الاعتراف، وإنه تعرض، بحسب روايته، للتعذيب بالضرب والتعليق والصعق بالكهرباء، ثم استخدموا الكماشة لكسر أصابعه، ما أدى إلى إصابته بنزيف استدعى نقله إلى المشفى العسكري في السويداء.

وخلال إفادته، قال الشاهد إن المحققين كانوا يطالبونه بالاعتراف بوجود جهات خارجية تقف خلف كتابات الأطفال، وأضاف أن عدد المعتقلين من الأطفال الذين كانوا معه بلغ نحو 22 طفلاً كان هو اكبرهم، وأنهم تعرضوا، بحسب قوله، لأساليب تعذيب مختلفة.

وقال الشاهد إن أحد المحققين، الذي عرّفه باسم سهيل رمضان، أخبره بأن “عاطف نجيب يسمع صوته” أثناء التحقيق، رغم أنه لم يرَه شخصياً، موضحاً أن عاطف نجيب لم يدخل غرفة التحقيق بحسب ما شاهده، لكنه كان يُذكر باعتباره صاحب نفوذ على الأجهزة الأمنية في درعا.

وفي شهادته، تحدث المعتقل السابق عن واقعة قال إنها حدثت داخل فرع الأمن العسكري، حيث كان مقيداً ومعصوب العينين، موضحاً أنه استنتج وجوده في مكتب مسؤول أمني من خلال تفاصيل المكان التي تمكن من رؤيتها جزئياً. وأضاف أن المحققين كانوا يكررون أمامه، بحسب قوله، أن ملفه “نظيف” من جهة الأمن السياسي، وأن المطلوب منه الاعتراف بوجود جهة خارجية تقف وراء الأحداث.

كما اتهم الشاهد عناصر أمنية بتعذيبه وإهانته، وقال إن آثار التعذيب بقيت ظاهرة لديه بعد الإفراج عنه من فرع فلسطين لاحقا، مشيراً إلى إصابات في الأظافر والعظام والظهر نتيجة ما وصفه بأساليب التعذيب.

وتبقى قضية عاطف نجيب واحدة من أبرز الملفات المرتبطة ببداية الانتفاضة السورية، نظراً لموقعه آنذاك كرئيس لفرع الأمن السياسي في درعا، ولارتباط اسمه بالأحداث الأولى لاندلاع الثورة في مهدها درعا.