تعيش مدينة الحسكة حالة من الحذر والترقب، عشية موعد تنفيذ اتفاق يقضي بانتشار الأمن الداخلي الحكومي في المدينة، في خطوة يُنظر إليها على أنها تحول أمني مهم في مدينة خضعت لسيطرة مشتركة بين قوات نظام الأسد و «قسد» خلال السنوات الماضية على تعدد الجهات الأمنية وتداخل مناطق النفوذ.

ويأتي هذا التطور بعد الإعلان عن اجتماع عُقد في حي الكلاسة، جمع العميد مروان العلي، قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، مع قيادة الآساييش الكردية، لبحث آليات انتشار الأمن العام المقرر بدء تنفيذه يوم غد داخل المدينة، ولم تُعلن تفاصيل رسمية موسعة حول مخرجات الاجتماع، لكن توقيته ومكان انعقاده أعادا تسليط الضوء على حساسية المرحلة التي تمر بها الحسكة.

حظر تجوال

في الأحياء السكنية، لا تبدو البيانات الرسمية المصدر الوحيد للمعلومات، إذ يتداول السكان على نطاق واسع تسجيلات صوتية ورسائل نصية عبر تطبيق واتساب ومجموعات الكومينات المحلية المسؤولة عن إدارة الأحياء، تتضمن تعليمات وتحذيرات مرتبطة بالحظر المرتقب.

وجاء في أحد التعميمات المتداولة بين الأهالي بالنص العامي:

«مسا الخير يا جماعة.. بكرا حظر كلي ها. ما يصير حدا يطلع على الباب ولا يروح الشغل تمام..! مشان الكل يكون له خبر… واللي يطلع يطلع على مسؤوليته… بكرة حظر تجوال كلي إخواني… ممنوع بني البشر يطلع من الباب على الشارع… وكل واحد يوزعها لـ كومينه… انشروه ع الواتس آب… وكل واحد يعلم التاني.»

ويقول سكان إن هذه الرسائل، رغم لغتها غير الرسمية، تلقى اهتماماً كبيراً لأن مصدرها «الكومينات» المتحكمة بالأحياء من خبزها إلى الغاز غيرها من الأمور الخدمية التي تقدمها «الإدارة الذاتية الكردية»، بالتوازي مع الرسائل المتداولة، صدر بيان من «الآساييش» الكردية أعلن فرض حظر تجوال كلي في مدينتي الحسكة والقامشلي في يومين متتاليين.

وجاء في البيان أن الحظر في الحسكة سيكون يوم الاثنين الموافق 2 شباط/فبراير 2026 من الساعة السادسة صباحاً حتى السادسة مساءً، على أن يُفرض في القامشلي يوم الثلاثاء 3 شباط/فبراير بالتوقيت نفسه.

وأوضح البيان أن القرار يأتي «في إطار الحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة الأهالي»، مؤكداً أن «الآساييش» ستتخذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

ضغط أمني واقتصادي

في الأحياء السكنية بالحسكة، تختلط المشاعر اليومية بالقراءة السياسية للأحداث، صحفي وهو أحد سكان حي الناصرة يصف الحال بمرارة قائلاً إنهم «وصلوا مرحلة التعب النفسي»، مضيفاً أن مجرد الخروج إلى مناطق تسيطر عليها الحكومة يمنحه شعوراً مؤقتاً بالقدرة على التنفس، في إشارة للضغوط الأمنية ومستوى الخوف المنتشر بين سكان المدينة.

ويتحدث عن تدهور اقتصادي دفع عمّالاً كثر إلى البقاء في منازلهم بلا بدائل، وعن «تعب يبدو على الوجوه» في الشوارع، مشيرا إلى أن النقل الداخلي وحركة السير يتوقفان عملياً خلال الحظر، «حتى سيارات الأجرة».

وأشار إلى أن بعض العائلات لم تستطع النزوح قبل أيام لأن مكاتب الحوالة والصرافة أغلقت، لكنها عادت لتسلك طريق النزوح سواء من جهة طريق تل تمر أو نجو الجنوب الشرقي، بينما سمح للعائلات الكردية القاطنة بمخيم «رأس العين» بالنزوح قبل إعلان الهدنة أصلا نحو القامشلي والمالكية.

وبعد تقلبات مرتبطة بتقييد حركة السيارات ودخول البضائع، يقول إن الأسعار عادت إلى مستوى أقرب للمعدل: البندورة بنحو 9 آلاف ليرة، الخس 12 ألفاً، طبق البيض 34 ألفاً، وكيلو الفروج قرابة 19 ألف ليرة بعد أن بلغ سابقاً 25 ألفاً قيل يوم تمديد الهدنة، حيث منعت السيارات لفترة من دخول المدينة ثم عادت الحركة جزئياً.

من جهته، يقدّم رجل من حي الكلاسة -كلب عدم ذكر اسمه- قراءة مختلفة لسلوك الأهالي في الأحياء، قائلاً إن المناطق المختلطة (الكلاسة والناصرة وتل حجر) تميل إلى الالتزام بالحظر لتجنب الصدام بين السكان، بينما يتوقع أن تكون درجة الالتزام أضعف في النشوة وغويران والأحياء العربية الخالصة جنوبي المدينة، مضيفا أن بعض العرب يشعرون بالخوف من ضغوط الكومينات، في ظل انتشار السلاح بين عناصر «الآساييش» وبعض المدنيين الأكراد من أنصار «قسد»، على حد تعبيره، رابطاً ذلك أيضاً بموجات رفع أسعار شهدتها الأسواق.

وبحسب معلومات متداولة محلياً، يُرجّح أن يكون مقرّ التجنيد قرب القصر العدلي، بجوار الساحة الرئيسية وسط الحسكة، أحد مواقع تموضع قوات الأمن الحكومية، بعد اجتماعات قيادة الأمن الداخلي بالحسكة مع القيادات الكردية اليوم التي عُقدت في سجن ومركز قيادة «الآساييش» بحي الكلاسة ضمن التحضيرات الجارية لدخول الأمن الداخلي.

في السياق ذاته، أعلن نور الدين أحمد، المرشح لمنصب محافظ الحسكة، أن الحكومة السورية وافقت على ترشيحه، وأنه سيزور دمشق مع وفد من «قسد»، وأحمد، المولود في القامشلي عام 1969، عمل مهندساً في الاتصالات ثم ضمن هياكل الإدارة الذاتية و«قسد» وشغل منصب مدير سجن «علايا» في القامشلي.

ترتيبات حذرة

في تصريح يعكس حذراً واضحاً وضبابية في تدفق المعلومات، قدّم نوار الرهاوي من مديرية إعلام الحسكة صورة عن مرحلة استعداد تتقدم ببطء وتحيط بها تحفظات عديدة.

يوضح الرهاوي أن الأجواء العامة تشير إلى «استعداد للدخول» إذا لم يطرأ ما يغيّر الخطة المتفق عليها، مشيراً إلى أن الإعلان الرسمي يبقى من صلاحية وزارة الداخلية. ويتحدث عن انتشار للجيش وتعزيزات للأمن العام، مع ترتيبات تنظيمية تمهيداً للتنفيذ.

وبحسب روايته، شهد محيط دوار بانوراما تحركات لوجستية شملت نقل أسلحة ثقيلة وإخلاء بعض النقاط العسكرية، في وقت عُقدت فيه اجتماعات مع قيادات محلية ومع «الآساييش»، ضمن مسار تنسيق يشمل أيضاً عين العرب (كوباني).

مع ذلك، يقرّ الرهاوي بأن تفاصيل أساسية — مثل عدد الآليات ومحاور الانتشار — لم تُعلن بعد، مرجحاً اتضاح الصورة صباح الاثنين. ويصف مستوى التنسيق بأنه «عالٍ»، لكنه يعترف بأن حتى الوسط الإعلامي المحلي لا يملك تصوراً كاملاً عن خطة الدولة، بانتظار بيان رسمي يحدد الخطوط النهائية.

النزوح …خيار صعب

خليل (46 عاما)، وهو أحد أبناء مدينة رأس العين نزح إلى الحسكة بعد تحول قريته إلى جبهة قتال عام 2019، يروي تفاصيل رحلة خروج يصفها بأنها «قرار اللحظة الأخيرة بعد تراكم القلق».

يقول خليل، وهو أب لخمسة أطفال، إنه غادر المدينة باتجاه رأس العين عبر مسار طويل ومتعرّج، بعد أن اتفق مع سائق على نقله مقابل 500 دولار.

تمّت المغادرة على مرحلتين: في اليوم الأول أُرسل أثاث المنزل بسيارة نحو الريف الشرقي من جهة منطقة الغزل. وفي اليوم التالي نُقلت العائلة إلى منطقة الحمر الشرقية، حيث ترجل خليل مع زوجته وأولاده واجتازوا سيراً على الأقدام مسافة تقارب كيلومترين متجاوزين السواتر الترابية التي أقامتها «قسد»، بعد ذلك أقلّتهم سيارة إلى قرية تنينير في الريف الجنوبي، ومنها مرّوا عبر الشدادي وصولاً إلى طريق أبيض، ثم من مفرق المكمان اتجهوا شمالاً، قاطعين جبل عبد العزيز من جهة جرمة نحو العالية، قبل أن يبلغوا رأس العين.

يقول خليل إنه لم يعد يحتمل البقاء «بسبب القلق المتواصل»، مضيفاً أن انتشار السلاح بين أنصار ا «قسد»، «حتى بين مدنيين»، جعل النقاش حول عودة مؤسسات الدولة أمراً بالغ الحساسية، مشيرا إلى أنه كان متمسكاً بالبقاء سابقاً من أجل دراسة أطفاله، لكن توقف التعليم أزال آخر أسباب الاستقرار.

بالنسبة إليه، فإن التوتر الأخير وحشد القوات من الطرفين داخل المدينة كانا مؤشراً كافياً على احتمال مواجهة عسكرية، «لذلك لم أتردد بالخروج»، كما يقول.

في الحسكة اليوم، لا أحد يعرف بدقة كيف سيبدو الغد، البعض يتحدث عن خطوة نحو استقرار طويل الغياب، وآخرون يخشون اهتزازاً جديداً في مدينة تعبت من التحولات، بينما يأمل الكثيرون أن تسير الأمور على ما يرام وتعزز الثقة بين الجانبين.

حتى إشعار آخر، يلتزم كثيرون منازلهم، يراقبون هواتفهم، وينتظرون ما إذا كان صباح اليوم التالي سيحمل بداية مرحلة جديدة، أم مجرد فصل آخر من القلق السوري المفتوح.

سلسلة اتفاقات

وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت في الـ 20 من كانون الثاني الجاري وقف إطلاق النار لمدة 4 أيام، بعد الاتفاق الجديد بين الدولة السورية و«قسد» بعد فشل تطبيق اتفاق 10 آذار، ثم أعلنت في الـ 24 منه تمديد مهلة وقف إطلاق النار في كل قطاعات عمليات الجيش العربي السوري لمدة 15 يوماً.

ووقع الرئيس أحمد الشرع في الـ 18 من كانون الثاني اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، ولقي ذلك ترحيباً عربياً ودولياً واسعاً.

ومن البنود التي تضمنتها هذه الاتفاقية دمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها من قبل القوات النظامية لضمان عودة الموارد للدولة السورية، ودمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ «قسد» ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل «فردي» بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية أصولاً، مع حماية خصوصية المناطق الكردية.