عندما تحدد الحكومة سعر طن القمح عند 46,000 ليرة سورية “جديدة”، تكشف حقيقة اهتمامها بالقطاع الزراعي نظريا واهماله عمليا، لأنها تقر بأنها لا تعرف الكثير عن مشاكل الفلاح المحرك الأساسي للاقتصاد السوري كاملا لا الزراعة فقط، فهو من يشتري من التجار ولأجله يعين المعلم والموظف والمسؤول في معظم مناطق سوريا.
لهذا كله يجب التوقف عن طرح السؤال بطريقة “تجارية بحتة” هل يغطي هذا السعر التكلفة؟ ثم نبدأ بطرح على النحو التالي: أي واقع اقتصادي يعيشه الفلاح السوري اليوم؟ هل سيجني أرباحا تدفعه إلى الاستمرار بالعمل؟ أم سيترك المهنة ويرحل بحثا عن عمل بالمدن الكبيرة الغارقة بمشاكلها أصلا؟!
إضافة إلى هذا القصور بواقع الزراعة والفلاحين، فالسعر الرسمي بُني على أساس سعر صرف نظري يقارب 11,300 ليرة (بالقيمة القديمة)، بينما يتداول الدولار فعليًا في مناطق الإنتاج، مثل الحسكة، عند حدود 13,800، هذا الفارق يحوّل السعر من نحو 400 دولار على الورق إلى ما يقارب 330 دولارًا في الواقع—وأقل من ذلك بكثير للدرجات الأدنى من القمح، وهذا أقل ما يقال عنه أنه “نصب واحتيال”، تشبه تماما فكرة تصغير رغيف الخبز وتخفيف وزن الربطة مع التباهي بالحفاظ على سعرها ثابتا.
الخلل يأتي أيضا، من اختزال المسألة في “تغطية التكاليف” وهذا تتجاهل حقيقة أساسية: الفلاح ليس آلة إنتاج، بل فاعل اقتصادي يتحمل أعباء جمة، فهو يدفع ثمن البذار (الذي قد يصل إلى 700 دولار)، والأسمدة (حتى 700 دولار أيضًا)، والحراثة، والنقل، وأجور العمال، فضلًا عن أشهر من الانتظار غير المضمون، وفي ظل هذه المعطيات، تصل تكلفة الدونم الواحد إلى نحو 125 دولارًا كحد أدنى—من دون احتساب التكاليف غير المباشرة، أو حتى الخسائر التي تكبدها نتيجة الظروف الجوية، التي لن تعوضها الأسعار مهما ارتفعت.
وعليه، فإن أي سعر لا يضمن هامش ربح حقيقي لا يعني سوى شيء واحد، هو دفع الفلاح إلى الانسحاب التدريجي من المشهد الاقتصادي السوري أو على الأقل التحول لزراعات أخرى كالبقوليات والنباتات العطرية، وهذا يحمل في طياته خطرًا استراتيجيًا، يتمثل بتقلص المساحات المزروعة بالقمح، وبالتالي تقويض أحد أعمدة الأمن الغذائي.
في الدول المتقدمة تشتري الحكومات القمح بأسعار تشجيعية، وتتحمل خسائر كبيرة وأحيانا تصدره عبر فلاحيها بنصف القيمة لأنهم يتلقون دعما مباشرا من الحكومات، التي تهدف إلى تثبيت المزارع في أرضه وتمنع الهجرة الداخلية وانعكاساتها السلبية على المجتمع وتفتح الباب أمام تضخم كبير واستيراد مكلف بالعملة الصعبة بدلا من العملة الوطنية.
مع غياب أي مظلة “نقابية فعالة” تحميه، الفلاح السوري اليوم مطالب بأن يصمت في حين يرى التاجر والحكومة يبيعان البذار عليه بالدولار ثم يحددان سعر القمح بالليرة السورية، وكأنهم يحاولان مشاركته بما وفرته الأمطار من تكاليف الري، التي أصبحت هامشية بجانب التكاليف الأخرى خاصة التسميد والحصاد، ما راكم خسائر دويون كثيرة لمجرد الاستمرار في الزراعة، في حال ينطبق عليها اسم “الكفاح”، فيأتي قرار الحكومة الأخير وكانه إبلاغ للفلاح بأنك ستستمر بهذا الكفاح الشاق دون أرباح أو حوافز ويكفيك أن تستخرج التكاليف دون أرباح أو بأرباح لا تشتري طعاما لأولاده.
هكذا يصبح قياس بعض “الخبراء” السعر المحلي على السعر العالمي ابتزازا للفلاحين وكأنهم يقولون بلسان المسؤول: “إما أن تبيع بسعرنا وبالليرة السورية وإما نذهب ونشتري من الخارج بسعر أقل وبالدولار”، إذن فجزء من الخلل هو حلول عقلية التاجر في الدولة.
المطلوب، إذًا، ليس مجرد تعديل التسعيرة المجحفة، بل إعادة توضيح آلية التسعير وأساسها وما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار باحتسابها، وقبل ذلك الاعتذار عن محاولة “الاتحيال” على الفلاح وسرقته من خلال فرق الصرف الرسمي والفعلي بالأسواق، إلى جانب ربط السعر بضبط أسعار مدخلالت الإنتاج ومستلزمات زراعة المحصول كتأمين المحروقات، وتنظيم أسعار السوق، حتى يستطيع الفلاح تحقيق أرباح تجعل عيشه كريم مثل مثل “الطبيب” و”المعلم” وغيرهم من أصحاب المهن.
نهاية القول، لا يمكن أن تسير الحكومة بالدولة بناء سياسة زراعية تفترض أن الفلاح سيواصل العمل مهما كانت الظروف، لأن هذه السياسة مدمرة للقطاع الزراعية المتضرر أصلا نتيجة ظروف الحرب على مدى 14 عاما مضت، لذا يجب انقاذ الفلاح قبل أن يتوجه لمهن أخرى أو يهجر أرضه نتيجة سياسة احتساب أرباحه على أساس تكاليف الإنتاج المحسوبة أيضا بـ “ورقة وقلم” على مكاتب الخبراء والمسؤولين.
