تواصل المنتخبات الأوربية ترسيخ حضورها في الأدوار النهائية للبطولات الكبرى ومنها كأس العالم الحالي في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين تبدو المشاركة العربية أقرب إلى محاولات متفرقة تفتقر للاستمرارية، رغم تأهل ثمانية منتخبات عربية، لكن أياً منها لم ينجح في الصمود حتى المراحل الحاسمة، باستثناء منتخب مصر الذي غادر من دور الـ16 أمام الأرجنتين، والمغرب الذي بلغ مرحلة متقدمة ويواجه فرنسا اليوم في دور الـ 8 من نهائيات كأس العالم.
إذن، لماذا تغلب الفرق الأوربية والغربية غالبا الفرق العربية في كرة القدم؟!
للجواب على هذا السؤال يجب أن ننظر الى فلسفة التعامل مع الرياضة في مدارسنا، وفي منازلنا ومدننا، حيث تُعامل الرياضة بوصفها نشاطاً ثانوياً أو ترفيهياً غير مهم حتى لو حذف من المنهاج، في المقابل تُعد جزءاً أصيلاً من المنظومة التعليمية والتربوية في الدول الغربية وتؤثر على معدل الدخول للجامعات، من هنا تبدأ القصة من المدرسة، حسب اعتقادي، حيث تُبنى العلاقة الأولى بين الطفل والنشاط البدني ضمن بيئة تشجع الاكتشاف والتجريب، وتتيح له اختيار المسار الذي ينسجم مع ميوله من خلال ذهاب الطفل مع مدرس الرياضة إلى المسبح أو الملعب بكامل عدته ولباسه الخاص فيختبرها عمليا.
في الدول الأوروبية، لا تقتصر حصة الرياضة على تمارين روتينية داخل ساحة المدرسة، كما يحصل في مدارسنا، بل تتحول إلى تجربة عملية متكاملة، كما قلنا، تخصص المدارس وسائل نقل لنقل الطلاب إلى المسابح أو الملاعب أو المراكز الرياضية، حيث يكسب الطفل مهارات أولية بأكثر من رياضة يمكنه متابعتها بعد ذلك إن أحبها، فتزرع ثقافة رياضية مستدامة، وتفتح المجال مبكراً أمام اكتشاف المواهب ورعايتها بدعم حكومي أولا ومؤسساتي بالتعاون مع الأسرة.
عندما يتاح لكل طفل يرغب في الانخراط في نادٍ رياضي أن يجد طريقه بسهولة، سواء عبر برامج تمويل، أو شراكات بين المدارس والأندية، أو بنى تحتية متاحة للجميع، وبهذا، لا تبقى الرياضة حكراً على فئة اجتماعية معينة، بل تصبح الفرص متكافئة وعادلة نوعا ما، حتى لو سلمنا بأن الأغنياء يستطيعون تسجيل أطفالهم بأفضل الأندية، فعلى سبيل المثال:
تقدم الحكومة الفرنسية لكل طفل 50 يورو سنويا لتشجيع الأسرة على تسجيل ابنها لمدة سنة كاملة.
في المقابل، ما تزال الرياضة في مدارسنا –وقد خبرتها- تُعامل كحصة هامشية يمكن حذفها، لا تختلف كثيراً عن الموسيقى أو الفنون بنهاية سلم الأولويات المدرسية، وغالباً ما تُختزل في نشاط شكلي يعتبر فترة راحة للمدرسين وفسحة في الباحة للأطفال، هذا التهميش المبكر يحرم الأطفال من فرصة اكتشاف مواهبهم، ويؤدي إلى فجوة تتسع مع مرور الوقت بين الإمكانات الكامنة والنتائج الفعلية، وحتى يغيبنا عن اكتشاف المشاكل الصحية للأطفال الذين يفترض أن يعرضون على طبيب للتأكد من قدرته على ممارسة الرياضة.
أيضا، الأندية في بلادنا، ليست بالمستوى الذي يسمح لها كسب المال من قبول الأطفال وتسجيلهم للتدريب في المراحل المبكرة وهذا مرتبط بإهمال الحكومات لقطاع الرياضة، واقتصار فكرة دعم الرياضة على تقديم الأموال بشكل مباشرأو من خلال شخصيات مسؤولة ليس لديها رؤية أو مخططات لتطوير الرياضة أو بناء جيل جديد في سن مبكرة بهدف اعداد فرق قادرة على المنافسة مستقبلا كما هو الحال في أوروبا، حيث تُعد الأندية المحلية بداية جيدة متاحة للجميع قبل الوصول إلى الأكاديميات والأندية المشهورة لإنتاج اللاعبين وصقلهم وفق معايير الدولية.
في النهاية، يمكن القول أن الفارق الحقيقي بين التجربتين يتجاوز مسائل عدد السكان أو الموارد إلى الرؤية، فاعتبار الرياضة كجزء من مشروع تربوي متكامل سيعطي نتائج مذهلة بينما لن نحصل على فرق قوية من خلال ترك الأمر للمصادفة أو الجهود الفردية والإنجازات الاستثنائية غير القابلة للاستمرارية.
اهتمام وزارة التربية بالرياضة حتى قبل وزارة الرياضة والشباب، ليس ضرورة فقط لبناء لاعب محترف يبدأ من ملعب المدرسة، بل لبناء جيل يتمتع بصحة بدنية ونفسية سليمة تساعد الطفل على تحقيق نجاحات مهمة من خلال صقل مواهبه في مجالات عدة منها الرياضة قبل مرحلة الشباب.
