محمد الحسون – عربان نت

أكدت “معركة عين عيسى الإعلامية” أن الطريق الدولي ليس السبيل الوحيد الرابط بينها وبين تل تمر شمالي الحسكة، بل يجمعهما المصير الواحد وقلق السكان المتولد عن الدعايات المتشابكة لأطراف الصراع في سماء المنطقة وأثيرها وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي الناطق باسم المدينتين الخاضعتين لقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

الأتراك والنظام و “قسد” يدركون أنهم يستخدمون “القوة الاعلامية الناعمة” ممزوجة ببعض الخبث السياسي واستعراض القوة العسكرية لإقناع بعضهم بأن ما يطفو على السطح حقيقة ستقع في القريب العاجل أو الآجل، وربما هذه المعركة هي معركة ” مشيرفة” الواقعة شمال الطريق الدولي أي ضمن حصة الأتراك والجيش الوطني أصلا.


وحتى الآن الرابح من هذه المعركة دون أي خسائر هو النظام، الذي استخدم ما يجري بتسريب معلومات حول احتمال تسبب رفض “قسد” عودة المؤسسات الحكومية وقواته بسقوط المدينة بيد “الاتراك وحلفائهم”، بعد سنوات من عمل وسائل إعلام “قسد” على تكريس صورة مرعبة عنهم تساهم حاليا بجعل سكان عين عيسى وتل تمر يتمنون أن تنسحب “قسد” وتسلمهما للروس وعناصر النظام خشية وقوعها تحت سيطرة الجيش الوطني.

هذا عدا عن استخدام حكومة دمشق الظروف الاقتصادية المتردية التفريط بالنفط ومناهج التعليم والحالة الاجتماعية والعادات التي تتحداها “قسد” أحيانا ببعض القرارات غير المقبولة محليا ما يساهم في تهيئة رأي عام لدى السكان بأن “معارك قسد كارثية” رغم محاولتها إقناعهم بأن الأمريكان مازالوا على بعد مرمى حجر شرق تل تمر وأن “نموذج منبج” قابل للتطبيق مرة أخرى.


تصوّرات الناس عن معركتي “عين عيسى وتل تمر” المحتملتين حلت محل الحقيقة وهي أن اتفاقا تركيا – روسيا قسم المنطقة إلى منطقتين شمال الطريق خاضعة لتركيا وحلفائها وجنوب الطريق خاضعة لروسيا وحلفائها مع انسحاب مسلحي “قسد” مسافة 30 كلم عن الحدود التركية،حتى أن الجيش الوطني انسحب من صوامع العالية بعد السيطرة عليها.


ينقلنا هذا الأمر إلى أن بقاء عناصر “قسد” بلباس مدني في مناطق أبو رأسين والكسرة وكل ما يليها من قرى شرق منطقة “نبع السلام” وفي “الجرن الأسود” وما يليها غربا هو ما يجعل الأتراك غير راضين عن الاتفاق ويمكن القول بحتمية المعارك القادمة في المدن والبلدات الحدودية.

وتبقى معركة “مشيرفة وجهبل” للتوظيف الإعلامي حتى لو توسعت لتشمل عين عيسى الواقع على بعد 5 كلم غربها فنتائجها تقتصر على قطع الطريق الدولي المقطوع أصلا والسيطرة على العاصمة الاسمية للإدارة الذاتية الكردية، التي تدار فعليا من الحسكة.

ورغم وقوع تل تمر على الطريق الدولي ذاته ووجود كتائب الجيش الوطني على تخومها، فلا نرى “معركة إعلامية” بمحيطها لأنها تختلف لوجود قاعدة روسية شمالها وأمريكية شرقها إلى جانب تكوين الآشوريون نسبة جيدة من سكانها، وهذا قد يفسر توقف المعارك عند أول قرية “آشورية” غربها.


ومن الواضح أن هذه المعركة أثر حتى على الصور الذهنية لقادة “قسد” الذين باتوا يردون ويحللون ما يسربه النظام والأتراك في الاعلام أو من الاجتماعات، رغم إدراكهم بعدم تنفيذ قواتهم بنود اتفاق تشرين 2019 حتى بالحفاظ على الوضع الراهن فهم يتسللون يوميا من شرق “نبع السلام وغربها” ولا يعلنون سوى عن القصف التركي للمناطق المحيطة بمنطقة التسلل حتى اكتشفوا إثر اجتماعات عين عيسى أنهم خسروا المعركة الإعلامية فباتوا يعلنون عن تسللات للجيش الوطني على نقاطهم لاحتسابها كاختراقات.


وفي هذا الصدد تحدث قائد لواء الشمال الديمقراطي في “قسد” أن أهداف معركة “عين عيسى” قطع الطريق الدولي وفصل غرب “الإدارة الذاتية” عن شرقها، رغم أن ذلك لا يتحقق حتى تحكم السيطرة على المنطقة الواسعة بين عين عيسى والرقة وما يليها من مناطق جنوب الفرات، وهذا لا يتم إلّا بعملية عسكرية ضخمة منسقة بين تركيا وروسيا كما بدا الأمر في معركة دير الزور عام 2017.

وعليه فإن ترك الساحة للنشطاء وإعلاميي الفصائل وبعض الكتاب المحتكرين للظهور على صفحات المواقع وقنوات التلفزيون سيعمق أولا معاناة الأهالي في عين عيسى وتل تمر ويعيش بعضهم في خيام عشوائية والأهم سيفسح المجال لوسائل إعلام النظام للعمل على بناء صورة ذهنية لدى سكان الجزيرة تفيد أنه المخلص الوحيد من الورطة التي ألقتهم بها “قسد” مع انطلاق أول رصاصة باتجاه “أبو رأسين” أو “عين عرب”.